![]() |
| أحمد زكي شحاتة أبو جبل |
أدباتية: «....» كنتُ قد عقدتُ العزمَ على الانتقال بشكلٍ كاملٍ إلى القاهرة، بعد نجاحي في الحصول على فرصة عملٍٍ كـ«محرر ديسك» في صحيفةٍ وليدة، وقبل تحديدِ موعدِ السفرِ كنتُ قد رتّبتُ مكانًا للإقامة لأنني لا أجيد التسكعَ والصعلكة، ولا أحبذُ أيضًا الهبوطَ بـ«البراشوت» على السابقين الأوّلين من طيورِ كفر الشيخ المهاجرة، فلا الزمان ولا الظروف، ولا حتى نشأتي التي جُبلتُ عليها تسمحُ بذلك.
وذات مساءٍ خريفي، اتخذتُ قراري، ودَّعتُ أمِّي –رحمةُ الله عليها ورضوانه- وحزمتُ متاعي وانطلقت حاملًا في إحدى يديّ ديوانَ شعرٍ وحيدًا، وفي الأخرى أحلامًا لا حدودَ لها.
في موقفِ الحافلات راحت عيناي تتفحصُ المارة، كأنما أبحثُ عن رفيقِ رحلةٍ بين الكتلِ البشرية التي تمرُق إلى جواري جيئةً وذهابًا.
حاراتُ الموقف وطُرقاتُه في ذلك التوقيت -حين حطّت الشمس رحالَها وبدأ الظلامُ يزحفُ على الكونِ ليواري ما تبقى من ضوء النهار- أشبه بطريقٍ زراعيةٍ أعرفها جيدًا في قريتي الصغيرة تزدحمُ بالرعاة وماشيتهم عند كل غدوٍ ورواح.
على حينِ غفلةٍ شعرتُ بيدٍ تربّت على كتفي وسط الزحامِ وصوت هاديء يقول: «لامم عزالَك وطالع على فين»؟!، التفتُّ لأجدَ الأستاذ عبد المنعم الكناني، فرحتُ أشرحُ له وِجهتي وتفاصيل الرحلة، فشجعني وشدّ على يديّ، وأعطاني رقمَ هاتفٍ محمولٍ، وراح يوصيني بأن أتصل بصاحب الرقم فور وصولي للقاهرة وأن ألجأ إليه إذا صادفتني أيُّ عراقيل، سألته عن اسم صاحب الرقم.. فأجاب: إنه «الأستاذ فكري كمون»، دوّنتُ الرقمَ في ذاكرة هاتفي وشكرته وانطلقت.
بمجردِ وصولي شعرتُ أنني أزورُ القاهرةَ للمرةِ الأولى، رغم أنني لم أكن غريبًا عنها، ولم تكن غريبة عنّي، أَلِفتُها وألفتني منذ سنوات لكنني كنت ضيفًا في كل مرة، بينما اليوم أصبحت مقيمًا.
شعورٌ مختلفٌ يراودني هذه المرة، وصوتٌ داخلي يتردد في أعماقي: «بطة مش ليك يا مرزوق»!.
«قُرويٌ ساذج، بهرتُه أضواءُ المدينةِ كلّما رأى شيئًا أحمر هتف: هذا صندوق البريد»، عبارةٌ مأثورة يتندرُ بها أهلُنا الطيبون، لكنّهم لا يدركون أننا بالفعل مهما بلغت ثقافتُنا ومهما حملنا من وعي يظلُ بريقُ العاصمة –لا سيما في الليل- محلّ إبهار يكادُ سنا برقِه يخطفُ ألبابَنا والقلوب..
.. وللحديث بقية..
%20(1)%20(1).png)