عبد البر علواني: تقنية الكتابة وآفاق الدلالة في المجموعة القصصية «على قارعة الحواديت»

 



هناك لحظات منفصلة في الحياة،لا يصلح لها إلا القصة القصيرة،ذلك لأنها النوع الأقرب إلى روح العصر،الذي يتسم بالسرعة والاختزال، فتناسلت أنواع جديدة منها، كالأقصوصة، والقصة القصيرة جدا، والحقيقة أنها حافظت على جمهورها؛لقدرتها على اقتناص اللحظة، والإبحار بالقارئ في تلك المسافة القصيرة من السرد.
وفن القصة يشبه ألعاب الخفة،فالخاتمة الصادمة والمفاجئة لأفق توقع القارئ تجعله مندهشا من الكيفية التي استطاع بها القاص اقتناص حدث ما من نهر الحياة،وتسريده من جديد بأسلوب يسمح للقارئ أن يستحم بماء النهر مرتين،هذه الخفة في فن القص تجدها في المجموعة القصصية (على قارعة الحواديت) الصادرة عن مؤسسة النيل والفرات، والفائزة بالمركز الأول في مسابقة أشرف بدير،إذ تجد فيها تلك النهايات التي تمد لسانها للقارئ متحدية إياه؛ لإعادة قراءة القصة،لكي يكشف الخيوط الخفية التي نسجت منها تلك الحبكة
.

وأنا هنا سأقف على مجموعة من تقنيات الكتابة الإبداعية التي اتسمت بها هذه المجموعة:

       توظيف علامات الترقيم لخدمة الغرض

يغفل الكثيرون من كتّاب السرد علامات الترقيم،وهذا يضر كثيرا بالكتابة، فالترقيم يضبط عمل القانون في النصوص، وإن علامات الترقيم تشبه في التواصل، تلك العلامات الموضوعة على الطرق،لتحدد لنا الاتجاهات والسرعة والمفارق.

فالنقطة: أشبه بالضوء الأحمر، والفاصلة: ضوء أصفر، يطلب منك التمهل.

والفاصلة المنقوطة: إشارة توقف،تطلب التمهل التدريجي نحو التوقف الكلي، ومن ثم الانطلاق من جديد، ونحن نستخدم علامات الترقيم لتنظيم العلاقة بين الكلمات، وهي تنظم تلقائيا العلاقة بين قارئيها، والفاصلة خصوصا تفصل ما لا ينفصل، وبسحرها نجمع ما يصعب جمعه،فهي تعطي الوصف تدفقًا ودقةً،تجعلنا نسمع انقطاع صوت،أو خفقة قلب.

والحقيقة إن هذه العلامات تدل على شغف بالكلمات، والكاتب المحب فقط هو من يستثمر هذه الأشياء البسيطة. وقد نجح (طه) في ذلك نجاحا كبيرا.

      توظيف الفراغات (الأسطر الفارغة)

 التي تدل على كلام مفقود،أو أحداث مسكوت عنها،تستبين من ما قبلها وما بعدها،أو من خيال المتلقي،لما يحتمل أن تكون. مثال الأسطر الفارغة قصة (القُبلة)ص52 نموذجا.

وفي بعض القصص ينهي المؤلف جمله بنقطتين وأحيانا بثلاث نقاط بدلا من نقطة واحدة، دونما سبب مقنع من وجهة نظري، كما في قصة (خيانة مشروعة) ص34، وفي ص24 صياغة قلقة في استخدام الاستفهام هل؟ أم كيف حل المسألة؟، وسلامة اللغة وخلوها من الأخطاء اللغوية نحوًا وإملاءً، في وقت أصبحت هذه الأخطاء قاسما مشتركا يشوه كتابات كثير من الأدباء،وقد وصلت عنايته باللغة،إلى حرصه على كتابة (الشدة) وكتابة التنوين،الأمر الذي يتناساه عمدًا أو جهلًا كثير من الكتاب،رغم أنه من مقتضيات اللغة العربية عند كتابتها، يستخدم الدكتور طه بحرفية مهنية الفعل الماضي كثيرا، وهذا يتسق مع طبيعة القص الذي هو في الغالب حكاية قد انتهت،كما أنه يستخدم الفعل المضارع حينما يريد إيصال رسالة ضمنية، أن أحداث هذه القصة قد حدثت، وما زالت تحدث،وإن تغيرت الشخوص واختلف الزمان والمكان،كما في (حنين/ونفور) "كنا نختلف فيما بيننا إلا هو،يلعب. يرافقنا لا يتركنا. يطمئن علينا”. كثيرا ما يشير الدكتور طه، إلى أبطال قصصه (بضمير الغائب) وضمير الغائب يمنح المتلقي فرصة أوسع لمزيد من التخيل،وبالتالي يكسب النص عمقا أكثر،ويتشبع ثراءً بما يضاف له،ويضفي عليه من أخيلة وتخيلات كل من يتلقى النص،بفضل استخدام هذا الضمير. بخلاف ضمير المتكلم أو المخاطب اللذين يحدان كثيرا من تخيل المتلقي،الذي يكون غالبا هو الراوي نفسه. قناعة القاص بأن الأدب الحقيقي أدب إيحائي باقتدار لن تضطره إلى استخدام لغة مبهمة في مفرداتها وتراكيبها ،تحتاج من القارئ فك شفراتها،فهو يعلم أن أدبه موجه لعامة الناس،فجاءت لغته مباشرة دون ابتذال،واضحة دون تكلفٍ وتصنعٍ،قد يصرف القارئ عن القراءة أو متابعة قراءة العمل. لقد استطاع طه في هذه المجموعة أن يجعل قارئي هذا العمل أن يندمجوا في السرد الذي حول فيه الواقع إلى عوالم تخييلية،من لغة

ووصف وحوار جاء منتشلا من البيئة حيث تطعم باللهجة العامية ،فكان ذلك متمما للحدث،كاشفا لجوانبه مضيئا له،خفيفا ليس فيه استطالة:( ياعم أضرب بقى خلّيني اموت) المشنقة. و عروستي "بلاها سوسو وخد نادية"، خد هبة وبلاها نسمة، وحظك حلو،وجوزها هنا ف إجازة وبسمعوا كلامهم، كنّا منتظرينهم عشان نعلن خطوبتنا وتبقى الفرحة فرحتين"، ما هو لافت أيضا خواتيم القصص، فالنهاية يكمن فيها التنوير للقصة،الذي يمنح الكشف عن الشخصية أو السلوك أو الموقف. ثمت نهايات في القصص جاءت مفاجئة تثير الضحك أو السخرية أو التساؤل، أو الحوار "انتهى الطابور ،دخل التلاميذ فصولهم، اختفى سالم" ص30، "قبل موعدنا بيوم هاتفي يرن. لعلها تؤكد على الموعد، أخذتُ الهاتف بسرعة، إذا بصوت آخر يقول لي: البقاء لله! (خيانة مشروعة) ص33 بعض القصص تقتات على تناقضات النفس البشرية،وتلبسها ثوبًا غير ثوبها في أحيان كثيرة ،وذلك كما في (نؤوم الضحى) و( حنين) و(خطأ مع سبق الإصرار) وغيرها. في بعض القصص جمال ينتقص منه أحيانا تماس هذه القصة مع القصيدة الومضة،فالقصة القصيرة جدا تعتمد على حدث يبرزه الحكي، والحدث فيها،كما أنها تعتمد على مفارقة تعقب ذلك الحدث هي نتيجة له. مثل: قصة( أثر)، قفزت من شباك ضيق،فهوت في قاع هلامي مظلم،درجة حرارته(تسع) درجات مئوية،اصطدمت بالخوف،فمزقها إلى قطع من ضوء"، وأحسب أن هذه القصص ومضات شعرية مكثفة باقتدار على مستويات اللغة والصورة، ولكن لا تعد قصصا قصيرة لافتقادها بعض مكوناتها وشروطها.





Post a Comment

Previous Post Next Post