أحمد إبراهيم عيد: تداعيات أنَّات الجوى فى «الأزمنة البلهاء»

 



«تتسلل ذاكرتى/ عبر سراديب التأريخ/ وبين سطور الكتب المنفية/ في زاوية النسيانِ/ وفى الأشلاء الملقاةِ/ على أبواب المنتديات/ أنفضُ عن شعر “لبيد”/ و "ابن أبى سلمى"/و" كُثيْر"/ غبار الزمن المنسىّ/ كى أبحث عن معنى/ للكلمات المبتورة/ في زمني.. ».

 مع هذا المقطع الشعرى من قصيدة "الشاعر والكلمات"، ومع هذه المشغولات البلاغية الموحية والدالة على الانفعال والتفاعل الإيجابي من الذات الشاعرة تجاه قضية الإهمال المتعمد في أحيانٍ كثيرة لتراثنا الأدبى، نبحر في رؤيتنا لهذه المجموعة الشعرية، "الأزمنة البلهاء" ونحن نؤكد على أهمية ذلكم التصنيف الرباعي للشعر على مستوى تاريخه القديم والحديث، فالشعر والشعراء أربعة: شاعرٌ يجري بشعره ولا يُجرى معه، وشاعرٌ يدورُ بشعره في المعمعة، وشاعرٌ لا يدرى أحفظ شعره أم ضيعه، وشاعرٌ لا تستحى بشعره أن تصفعه، وشاعرنا حسن مأمون يدور بشعره في معمعة الشعراء الجادين بهذا الإصدار الشعري الثالث بعد إصداره الأول"أنتِ الحياة" والثانى "كيف أكون نبياً". ودلالات العناوين للنصوص الشعرية هنا تشي بذلكم التوظيف المتنوع عبر السياق الشعري للمخزون الفكري والوجداني لدي ذاته الشاعرة المخلصة والواعية لأهمية الشعر في معالجاتهِ للقضايا الخاصة والعامة. والتوظيف المنهجي لطبيعة الخطاب الشعري هنا دل عليه ذلكم التنوع في تناول أطروحاته الشعرية المتعددة ما بين الهم القومي والوطني والرؤي الرومانسية الرومانتيكية والتأملات الفلسفية والأطروحات الإنسانية الاجتماعية، إلي جانب الحنين إلي الماضي في مرثيات واضحة التأثر بما كان من جماليات في مقابل ارتباكات الحاضر. فعلي سبيل المثال، يندرجُ تحت الهم القومي والوطني نصوص مثل "في عزاء العروبة" و "دموع عنترة " وفي السياق الرومانسي تتنوع النصوص في تأملات الذات الشاعرة فنرى “تسابيح الندى" إلي جانب "ومضات الشوق" و "غربة المساء" مع "قلب الحبيبة" و "يوماً ما" إلخ. أما في الجانب الفلسفي التأملي والفكري تأتي مجموعة أخرى من النصوص مثل "حافة الصمت" و "أجنحة الوقت" و "الشاعر والكلمات"، مع الجنوح أحيانا إلى السخرية المريرة المصاحبة للفلسفة كما في ذلكم النص الشعري "نافق"! ومع أبرز التفاعلات الوجدانية الإنسانية والاجتماعية تتضح سمات البصمة الخاصة للروح الشاعرة المتعايشة في تحنان إنساني عالي القيمة وذلك من خلال بعض النصوص مثل قصيدة "رمل أحبتي" وذلكم النص البديع "حور"، والنص الذي يرحل بنا للزمن الماضي الجميل "عطر الأحباب”، والبنية التشكيلية للنصوص الشعرية تتراوح ما بين القصائد العمودية والقصائد التفعيلية، وهذا التنوع في البناء الشعري يعود إلى طبيعة التفاعل التأملي.


الوجداني للذات الشاعرة مع أطروحاتها المتباينة. والحيل الفنية والألاعيب الشعرية عبر الدفقات الشعرية تثري من أسلوبية السياق الشعري لتحقق أعلي درجات التفاعل مع المعاني المطروحة فكريا ومعنويا. يدل علي ذلك، هذا التضفير والتزاوج الحسي والمعنوي ما بين الصور الذهنية والانفعالات الوجدانية المشكلة لعمق المأساة العربية الراهنة، التي تجلت في هذا المقطع الشعري من قصيدة "في عزاء العروبة": يا حزن دجلة/ حين خانته الأماني/ يا اغتراب النهر/ في الوطن الشتات/ يا دمع نيلي/ بين أحضان الفرات/ ويا انفجار الحرف/ في وجه المعاني". وقبل الانطلاق في التأملات المدققة والفاحصة لانفعالات الذات الشاعرة نتوقف مع التدقيق في اختيار المفردات التي تتماس مع التناص الموضوعي مع أشهر القصص القرآني، وذلك لتوظيف المعاني الرومانسية الثائرة في سياق المعالجات الشعرية الواصفة للوضع الكارثي للأمة، والذي بدأ بانهيار "بغداد " والحيل الفنية والألاعيب الشعرية تتضح في هذا السياق مع أسلوبية الشـاعر المتأثر بالمعايشة الكاملة لذلك: «ألقوكِ/ في جب المهانة/ واشتروا/ بقميص يوسف/ كل أحزان الأميرة/ باعوكِ/ في سوق النخاسة/ طفلة/ ألقت بوجه الخزي/ ألف ضفيرة/ ورمــت بلعبتهــا/ على الطرقـــاتِ» وتتكرر على مدى الدفقات المتنوعة الواصفة للمأساة العربية، النداءات والاستدعاءات من الذات الشاعرة، لبيروت وحيفا وغيرهما من بلداننا التى تعانى من التمزق والتشرذم، إلا أن النداء المتكرر – كتيمة شعرية – جاء الحظ الأوفر منه لبغداد – قلب العروبة الدامى – متماهياً فى بعض مواضعه، مع النداء الأشهر لنزار قبانى فى قصيدته / المأساة “بلقيس": ”بغداد يا وجعى/ ويا وجع المآذن/ والصلاة،

وربما كان ذلكم التماهى المقصود مدخلاً فنياً لتلكم الصور الشعرية الموجعة والمتفردة الدالة على العشق الخاص للتراث العربى والدينى الأصيل، حيث يتكئ الشاعر على الإيحاءات الهامة من تراثنا بدلالاته المؤثرة حيث يقول: وبراقنا المذهول/ فوق رحالنا/ شاخت/ فى ربا الأقصى/ رؤاه/ وحنينه للنور/ أضحى عاقرا/ ما عاد يدرى/ فى الدجى مسراه. وإذا كانت مثل هذه الدفقات الموجعة تتواتر فى طيات النصوص الشعرية للشاعر وبكثرة تدل على رهافة وشفافية الروح الشاعرة وتفاعلها الدائم مع الآلام العامة للأمة، فإن لهذه الشفافية والرهافة دلالة واضحة على مكنون الذات الفكرى والوجدانى بما يتماهى أيضا مع شاعر "حديث الروح” محمد إقبال حين قال: قيثارت/ ملئت بأنات الجوى/ لابد للمكبوت من فيضانِ. إلا أن شاعرنا مرهف الحس لا يُدخلنا إلى نفق العروبة المظلم إلى ما لا نهاية.. بل إنه يشعرنا أنه دائم البحث عن الشمعات المضيئة فى نهايات النفق، حيث يناجى بغداد معشوقته الأثيرة فى نهاية قصيدته قائلاً: بغداد/ يا أصل انتسابى للحياة/ قولى بربك/ وبكل أوصاف الإله/ متى سترتفع الجباه؟! وظاهرة التدوير بين الأسطر الشعرية، تمثل القاسم المشترك الأكبر فى معظم القصائد التفعيلية، لتعطى للشاعر مساحة وجدانية أرحب للتعبير الممتد عن مساحات المحبة والمودة لكل العناصر البشرية المتوافرة فى متنه الشعرى، هذا فى الغالب الأعم لكل النصوص. إلا أن النص الأوضح لتلكم الظاهرة.، ذلكم النص الذى اختص الشاعر به محبوبته الأرهف "حور" التى عنون قصيدته باسمها مفتتحاً حديثه الشعرى الرائق عنها هكذا: هذى - لأمورة - حور/ تتماهى فى قلبى/ قطرات من نور/ تسمو بالروح فتعلو/ صوب سماوات البهجة/ فأتيه على العالم/ كالبللور. ومن الواضح - تفاعليا – أن "حور" هى الأنثى النورانية الأثيرة لدى الذات الشاعرة، ولذا فقد اختصها الشاعر - فى سياقاته الشعرية - بخصائص ملائكية فاقت كل التوصيفات الجمالية المعتادة، وارتفعت إلى مصاف الكائنات العلوية الشفيفة الرهيفة: حور/ نهرٌ من عبق ٍ يتدلل/ فيفيض على الدنيا/ إلِقَا/ حديقة ضوء/ فى الديجور/ ماذا تفعل/ لو

والشاعر بذلك البناء الشعرى العمودى يُعدّ امتدادا ً متناميا ً لتيار الشعر الوجدانى العربى فى مدارس "الديوان" و"أبولو" وأصداء شعراء"المهجر القديم". ولنعطى مثالا ً على ذلك سنتوقف مع قصيدة "تسابيح الندى" حيث يقول الشاعر: ولأنت مفتتح القصيد ومنتهاه/ وهسيس أشواقى إلى سر الإله/ وتهافت الكلمات نحو مشاعرى/ تنسال فى القلب البهى صلاة/ ولأنت أحلام الطفولة والمنى/ وحنين عمر راحل لصباه

تتكرر على مدى الدفقات المتنوعة الواصفة للمأساة العربية، النداءات والاستدعاءات من الذات الشاعرة، لبيروت وحيفا وغيرهما من بلداننا التى تعانى من التمزق والتشرذم، إلا أن النداء المتكرر – كتيمة شعرية – جاء الحظ الأوفر منه لبغداد – قلب العروبة الدامى

فإذا كانت القراءة التأملية للشعر لا تتم إلا بالتعرض لتقنياته التعبيرية المموسقة _ خاصة فى الشعر العمودى _ فإننا نلاحظ اعتماد الشاعر على التوازى و التوازن الانفعالى ما بين تموجات الألفاظ مع حركاتها الصوتية والدلالية، لتحديد الإيقاع الموسيقى الجهير، والمُحدِّد بدوره للشحنات التعبيرية الوجدانية، التى تقود بدورها لحالة من إرهاف الحواس المقصود لتجريب هذه الألوان من العذوبة المعنوية المختلطة بإيقاعات الانفعالات الباطنية للذات الشاعرة.

والتى تفصح عنها هذه الافتتاحية لقصيدة "غربة المساء”: وتمنحنى المساءات اغترابا/ إذا ما طيفك الرقراق غابا/ وأقطف من حنين الود غصنا/ أداعبه إذا ما القلب شابا/ وأسمو فوق سدرة منتهاك/ أعانقها إذا ما الروح ذابا. وإذا كنا قد افتتحنا كلمتنا هذه بالموقف الواضح للذات الشاعرة بانفعالها وتفاعلاتها حول هجران الشعراء للتراث الشعرى، فإننا نختتم أيضا بذلكم الموقف الشعرى الذى تتجلى به الغيرة المحمودة على التغيرات التى طرأت على المشهد الثقافى والمرتبط إلى حد كبير بارتباكات المشهد الاجتماعى، وذلك فى رؤية شمولية ترتكز على التجليات الجمالية الشعرية المختلطة بالحزن الدفين المتغلغل فى أعماق الذات الشاعرة، التى تدين أصحاب المهام التربوية من المثقفين وغيرهم المتمثلين فى ذلكم الشيخ المُخاطَب فى قصيدة "شيخ الأزمنة البلهاء”، حيث تتصاعد موجات الألم والشجن المختلطة بالأمنيات السامية، لتشكل حالة من (النيرفانا) الشعرية، والتى افتتحها الشاعر بقوله: قل لى/ يا شيخ الأيام/ المسكونة عِـيّا/ هل تعرف/ كيف تكون صلاة العاشق/ فى محراب الهمسة ريّا/ كيف تتوق العين/ إلى المحبوب مليا/ كيف الوجد على أعتاب الروح/ يصير نديا/ كيف يكون الحرف على الشعراء عصيا؟. قل لى/ يا شيخ الزمن المقهور / أيجوز لرجل مثلى/ إن يتوضأ بالنور ويصلى للكلمات دهور/ ليشف فؤاده كالبللور. إنها النفحات الشعرية التى تأخذ صاحبها ليتساءل مع متلقيه ليفتح بابا (نيرفانيا) للولوج إلى حالة من التمنى، لعلنا نقف جميعا _ بعد قراءتنا لدفقاته الشعرية _ على أسباب النجاة من تلكم ( الأزمنة البلهاء). وبعد.. فإننى أترك متلقى هذه النصوص ليتفاعل مع دفقات الشاعر الوجدانية والفكرية، متمنيا للجميع أن تتنامى لديهم _ مع الحراك الانفعالى الشعرى _ تلكم الصحوة المنشودة إنسانيا والتى نلمس توهجاتها مع هذه النصوص الإبداعية .




Enregistrer un commentaire

Plus récente Plus ancienne