«اصنع لنفسك خوذة».. أشرف عبد المطلب بسيوني



 الاكتئاب كسر عينيها إلي قدميها.. كان" الغشم" تحتي، همجي، والصيد جماعي، في حلقات يصعب اختراقها.. تكررت الواقعة لتنز دموع السماء على الشوارع.. لتغيب الشمس غياب الحرية والعدالة والكرامة والنبالة.. والحيوية. كانت هنا تهدهد صباحاتي، تؤنس أيامي؛ حين غادرت تعفَر الصباح بضباب الموت.. مجدول بوحدة عنكبوتية، علَها نجت بمعجزة إلهية من واقعة "التحرش" في هبة الميدان لاسترداد ثورة قام بها الشعب لينهض؛ فإذا بصفوات تراوده لتتقدم بالوطن إلى الخلف. صار الطرق يقع على رأسي من الداخل؛ بعد دوام الدق عليها كالطبول من الخارج، تمتمت الأشلاء المسحولة والسحجات الدامية والرضوض والكدمات الزرقاء علي الإسفلت – مرجفة ًلاهثةً: "حزام العفة.. حمى الغشاء من تهافت المتهافت؛ كلاب برية سائبة.. متجمعة لاقتسام الفريسة؛ في بؤرة الزحام..المصطنع يصبح طلب النجدة.. والصراخ ضرب من العبث".
 قلت :إنني أذوب عشقا وانتماءً.. وأرفض خلط الأوراق. قالت: لقد خيّرتك بين الخوف وبين الخوذة! هرب الجناة مع غدي؛ وأصبحت الضحية هي المذنبة ومطالبة بكشف العذرية."
 وأجهشت تنتحب، لونها لم يتغير، لكن بجفن يرف ويرجف قالت :أعجب برجل يهجر نضال الناس جميعا مؤثرا صناعة الخوذ !. من عدسة الذكرى لا يكف النظر إليها؛ بل يجب أن أطيل التحديق.. حين رحلت؛ رقص القلب على جثة الروح.. خوفي عليك يا حبيبتي أن يزورك الخوف .
 قبيل مغادرتها رددت :الانتقام لا يستقيم مع النضال.. مبادئنا أطول عمراً من.... بشرط اصنع لنفسك خوذة" أطمئن نفسي :هي كثيرة العشّاق؛ لكنها ليست في متناول يدهم، ملامحها لم تتبدل أو يتغير ما عقدنا العزم عليه. منهم من يمس ضفائرها مساَ رقيقاً؛ ومن يلامسها.. من يمسك يدها.. من يتحرش.. من يدنو من أكثر زواياها خصوصية، يغازل باللفظ والإشارة.. ومن يستدرجها إلى مأذون الصحراء؛ يعدها بملك "بلقيس".. بل ملك "سليمان"؛ لكن كلٌ قد خاب سعيه وظنه، وعندما فقد أمله؛ ركب جواد الانتقام وشرع يهدم في أسوارها المتآكلة.. في ذيل ثوبها الطاهر، من علق الأوساخ؛ ولافتات الإفك مثلا: " بغي لا ترد يد لامس، ومن.. ومن.. وهي ساهية؛ لكنها تكتفي بازدراء الأحصنة التي أنهكها مرور الوقت؛ فارتمت تتمرغ في أحضان الذاكرة.. تتدابر في غيبوبة الماضي وستلحق المفقودين حين راودوا عرشها !. قالت لمن يسوس الحيوانية المعفية :"الوقت المفقود لا بذهب يعود.. ولا نقود!" غادرت بشيعها عنِّي وأصدقائها دون عودة.. كنت أحب ممارسة ارتداء الخوذة، حتى حين لا أحتاج لحماية أو درع، كانت ترى ثورة الجسد كلما اعتمرها وتغار.. وخاصة عند فنجال الصباح !

الآن صباحي ليس وضيئا- ككل صباحاتي، الطاولة وحيدة، والفنجال وحيد؛ مقعدها فارغ كالمقاعد، أشباح مرجفة.. هل لحقوا بها؟ تتشابك رموشي.. أهدابي على ملامحها.. أفتح عينيّ لتراقص الرؤى؛ تتلوى مع بخار الفنجال الوحيد؛ يتصاعد ليذوب في الضباب. أنظر في القريب.. أرقب البعيد.. بعيد البعيد.. أخترق الحدود.. الكل نيام . علٌها تدري الآن سبب ارتدائي الدائم للخوذة، وتعاود لنصيحتها القديمة الصادقة :اصنع لنفسك خوذة.. وأيضًا "لا تخلعوا الخوذة.. كم من بطل أضحى إرهابي ونفسه في ذات الوقت جاني وضحية ومرة بالعكس لاتجاه الريح وتساوى أثر الماعز بالحصان . يا كم صدقت نصيحتها؛ وأوقفت هزائمنا المتكررة ونحن فتيان في العاب البدايات "حرب دياب " و"عسكر وحرامي" ومظاهرات طلابية وانتخابية "وكم انتصرنا على كل من استأسد؛ وغٌرر به واحتل منطقة لتتفتح الورود بالتحاجل والتقافز.. باختصار: "بالخوذة طردنا الخوف والحزن ولم يعرف الليل سبل الإقامة فينا". "عاودي لوجهك الذي أحببت؛ أشم رائحة عطر ناعم.. هل هذه أنت؟ أشتهي طيفك.. صباح عينيك أو عينيك الصباح.. صورتك السكينة.. صفاء سريرتك.. أنت يا مجدولة من نسمة الهواء المباشر.. ضمدي جراحي الداخلية.. لا تعبأي بالمرئية؛ الجراح الداخلية هي الأهم.. أبدا لا ترحلي عن عدسة التذكر.. يا اشتهائي.. ها أنا أجود بمائي.. فعاودي ندية.. ودعيني أداعبك كما يجب.. وألاطفك كما يجب؛ لأطفئ شوق الورد للندى.. لأزيل عنك الخوف.. يا كم سكبت العطر الناعم.. أهذه أنت؟." يغمر صباحي الضوء، ورقرقة النهر الزاحف تشكو الفقر القادم للماء وتنتحب، توشوش الريح اخضرار المدى؛ فينقشع الضباب عن صوت دافئ كالشمس.. عندما تساوى أثر الأسد بالكلب؛ وعند تساوى الريح أثر ربيع العطر بالخريف اصنع لنفسك خوذة!.
لقراءة العدد كاملًا.. اضغط هنا



إرسال تعليق

أحدث أقدم