الشاعر الجاهل

 



حمادة غالي: حكى لي صديقي الباشمهندس، وهو من المثقفين النبلاء، ومن قاطني منطقة شارع السادات، أمام موقف منشأة عباس، بمدينة سيدي سالم يقول لي:

ذات يوم في العصاري، كنت أرتشف كوباً من الشاي في بلكون شقتي، الكائنة في الطابق الثالث من المنزل، أتأمل المارة، وأشاهد مناظر موقف منشأة عباس، والورق، التي اعتدت عليها، وما يصاحبها من مشاكسات ومعاكسات، بين سائقي المركبات.

مشهد يومي ومتكرر وليس به أي جديد يدعو للإنتباه، حتى وجدتني أشعر بالملل، فقررت النزول والمشى قليلاً فى الشوارع، وعلى بعد خطوات معدودة من منزلي كان يوجد مبنى كبير له ساحة وقاعة ومكتبات مكتوب على بوابته (مكتبة الطفل بسيدي سالم) واسمه الشعبي: ( بيت ثقافة سيدي سالم ).

ورغم نشأته منذ ما يزيد على الأربع سنوات، إلا أنني لم يأخذني الفضول مرة كي أدخله، وأتفحص ما به، ولو من باب العلم بالشيء!!

 ولا أدري لماذا هذه المرة -بالذات- قررت أن أدخل وسط الداخلين وأرى ماذا يحدث داخل هذا المبنى الفخم الضخم

 دخلت.. ووجدت فى مواجهة البوابة مكتبة، دخلتها، فاذا بمجموعة من الناس كباراً، وشباباً -من الجنسين- وأطفالاً يجلسون و يقرأون، طبعاً استغربت جداً؛ فقد كنت أظننى سأجدها فارغة إلا من فرقة التمثيل والغناء والرقص والاستعراض.

دخلت.. وسلمت، ثم استأذنت أن أجلس معهم، وبصراحة وجدتهم مرحبينبحثت فى أرفف المكتبة، وفي صفوف الكتب... فوجدت كتاباً يحمل عنوان "لافـتـات" للشاعر الكبير أحمد مطر، وكانت مفاجأةً كاملةً بالنسبة لي، فـمثلى إذا وجد مثله لا يستطيع أن يتركه، فأخذت الكتاب، وجلست أتفحصه بشغف، ونهم، رجل كبير من الجالسين بالقرب مني سألنى

- ماذا تقرأ؟! - لافتات أحمد مطر - أحمد مطر مرة واحدة؟! بالله هل تفهم ما يقول؟! - طبعاً.. وإلا فما الداعي لفرحي إذ وجدته؟!! - يبدو أنك أنت أيضاً شاعر! - أنا.. هههههه لا والله.. ولكني متذوق، وطال الحديث بيننا، حتى دعانى الرجل إلى حضور ندوة ستبدأ بعد ساعة فى قاعة القصر للاستماع إلى شعراء نادي أدب سيدي سالم من رواد بيت ثقافه سيدي سالم وأخبرني بأن العملاق الكبير الشاعر السعيد قنديل هو الرئيس الشرفي لنادي أدب سيدي سالم، وأن الشاعر الدكتور طه هنداوي هو رئيس مجلس الإدارة، والشاعر القدير سعد الشرقاوى عضو مجلس الإدارة، والأستاذ محمد محمد

عبدالوهاب مدير بيت الثقافة، وأنه سيحضر معنا الكاتب والشاعر أحمد زكي شحاتة أبو جبل والشاعر رامى شتات والمثقف الأستاذ حجازي كمال، والشاعر هيثم حمدي، والإعلامية مها عبدالعزيز، والشاعرة فاطمة إبراهيم والدكتور على العوضي، والشاعر عبد الحميد عويس والإعلامي أشرف عويضة والإعلامي سمير إبراهيم عويضة، والمهندس محمد أمين عطية والشاعر عبد الرحمن قريطنة، والشاعر مصطفى درويش والأستاذ حمادة غالي (على الله حكايته). إلى آخر هذه القائمة المشرفة من المثقفين والأدباء، والمفكرين والشعراء، ومن الجمهور المتذوق مثلي وأخبرني بأن كل الموجودين من حولنا سيحضرون أيضاً، وأخذ الرجل يقدم للموجودين بالمكتبة محاضرةً مصغرةً عن الفرق بين الشاعر والناظم، وبـيـَن فيها أن كل من تعلم اللغة و العروض (الأوزان) يستطيع كتابة النظم (كلام موزون مقفى له معنى) وقد يسميه بعض الجهلاء شعرًا، وأخذ الرجل يستطرد في الحديث، عن بيان أن الموهبة هي هبة وعطاء رباني في المقام الأول، ينميه الموهوب بكثرة التعلم، والقراءة، والدراسة، والفهم.

واقترب موعد بداية فاعلية نادي الأدب، فانتقلنا إلى القاعة. وجلست مع الجالسين أستمع بشغف، فإذ بالشاعر الذى على المنصة هو نفس الرجل الذى حادثنى في المكتبة، يقدمنى للناس على أنى مهندس مثقف متذوق نبيل. 

بل و طلب منهم الإنصات جيداً لأنهم سيسمعون رؤية جيدة، وشهادة عظيمة في حق بيت ثقافة سيدي سالم، حاولت التملص منهم، إلا أنه أصر أن أقول رأيي صراحةً

ووالله لا أظنها إلا فراسة الشاعر الحقيقى الذي يقدر الناس، ويستقطبهم، ويحثهم على حب المكان، بعدها جلست استمع للمواهب، واستمتعت، وتعلمت، واكتشفت أنهم شعراء ومثقفون على حق، في زمن استحوذت البرامج والندوات والفضائيات، وامتلأت الساحات بشعراء غير شعراء مثقفين غير مثقفون 

ثم استمعنا إلى كلمات رائعة ومعبرة من كبير شعراء مصر والوطن العربي الاستاذ السعيد قنديل الذي بين وأوضح وأفصح بأن الشعر فى الأساس هو مقدرتك على أن تملأ عقل و قلب غيرك بما شربته من ثقافة قمت بتحصيلها طوال عمرك،

كما أوضح أن الشاعر غير المثقف جاهل، والشاعر الذى لا يعلم معنى الكلمة التى يكتبها جاهل، والشاعر الذي يكتب بلا قضية جاهل، والشاعر الذي يرص أي كلمات يختمها بقافية واحدة جاهل، والشاعر الذي لا يضع الأشياء في موضعها الصحيح بصورة مرضية جاهل، والشاعر الذي يسرق مفردات غيره، ولو كانت مفردةً واحدةً جاهل، والشاعر الذي يجهل أنه جاهل.. جاهل.. وللحديث بقية..



Enregistrer un commentaire

Plus récente Plus ancienne