د. إيمان غالي: مدود كلثومية!

 



سبب لفظي وآخر معنوي وراء المد الفرعي بالقرآن الكريم «حسب علم التجويد»، ولشغفي بكل ما هو معنوي لغةً، تصيبني أم كلثوم بضربات حادة من الدهشة والمتعة..

تصيبني أم كلثوم بضربات حادة من الدهشة والمتعة _حد تكرار الوقوف والجلوس في مكاني فجأة دون سبب_ لأتساءل أي استجابة ذكية هذه بصوتها للإطالة بتلك المدود بعينها دون غيرها؟! إضافة إلى تكرارها المعهود والمعروف عنها في تراكيب محدّدة، ثم تتصادف عن عمدٍ تلك التراكيب المخصوصة مع مفردات هي الأخرى مخصوصة حوت تلك المدود، فتظهر عظمة وعبقرية وفرادة الجمع بينهما في آن، ويحدث هذا الدوي الشديد لصوت الإدراك بداخلك، إثر إنفجار المعنى الحاصل بداخل عقلك وقلبك معًا، وبمجرد الهبوط الناعم لهذه الكلمات على أذنك مباشرة! هذا كله إن أضفنا إليه تنغيم الصوت وطبقاته، مع مرونة نطق الحروف المحسوب مخارجها، ووقفات إحساسها الشعري العارف عند سياقات عالية الشعريّة والدراما؛ لتتّخذ منها نقاط ارتكاز أساسية بالقصيدة.

 عذرني من رآني وهي تتخبطني ومنهجها بالغناء! وأقول بأن هذا من خير ما حصدته أم كلثوم من وراء علمها بالتجويد، وحفظها لأحكامه، وملازمتها للقرآن فترة قبل احترافها للغناء، مما جعلها تميّز مواضع الإطالة بالمفردة بدقة، حتى وإن لم يكن بالكلمة مد، تمكّنت من صنعه أو إن شيئنا قلنا "اصطناعه" بصوتها، لإضفاء ما هو شبيه به نطقًا، والوقوف عليه في حينه، فتحمّل الكلمة تآويل ودلالات أبعد من معانيها الوظيفية الأولى من دون إطالة، وهو ما أراه سمةً، طُبِعَت باسم أم كلثوم وحدها.

نأتنس مثلًا بشاهد من الكتاب للتوضيح ثم نأتي عليها.. يقول تعالى في سورة الأنعام: {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ..} نجد المد بالألف في كلمة (وحآجَّه) الممدودة بست حركات (مد متصل وجوبًا لوجود الحرف المشدّد بعده) قد أخذت منك بطبيعة الحال وقتًا وزمنًا أطول في النطق عن باقي حروف الكلمة، فيحيلك المد مع التدبّر إلى طول المدّة الزمنية التي بقي سيدنا إبراهيم _عليه السلام_ يدعو فيها قومه للهداية، ثم تأتي الشدَّة على حرف الجيم بعده؛ لتصعّب عليك الأمر أكثر في النطق، وتجبرك على الوقوف عندها لفترة أطول، فتضيف إلى دلالة طول المدة؛ صعوبة المُحاجاة الدائرة بين إبراهيم وقومه، ثم يتبادر لذهنك السؤال الطبيعي هنا: ما البديل عن ذلك لفظًا؟ ما الوجه الآخر الذي كان من الممكن قوله _سبحانه وتعالى_ ليؤدي لنا المعنى نفسه والرسالة نفسها، من دون مد الألف وشدّة الجيم في قوله (وحآجَّه)؟ لتتفاجأ بأنه لا بديل! فلو أتينا بمرادفات الكلمة كلها في اللغة، لن تعطي نفس المعنى الذي أعطته أصوات الكلمة القرآنيّة ومقاطعها، فمثلا لو جربنا كلمات من مثل (حاوره/حادثه/ناقشه/جادله) كلها كلمات سهلة.

النطق بلا حركات مد تستدعي الإطالة، أو شدّة، مما يمنع الدلالتين المقصودتين _ طول مدّة الدعوة، وصعوبتها في قومه_ من الوصول إليك! ثم تتأمل الإعجاز اللاحق لتوظيف الكلمة نفسها بالآية ٨٠ ذاتها بعد كلمتين فقط، حكاية على لسان سيدنا إبراهيم وهو يقول: (أتحآجّونِّي..) لتزداد صعوبة النطق بالكلمة بشدّة إضافيّة، ويزداد معها تأكيد الدلالة بالمرة الأولى، فقد بقي المد كما هو مع إضافة شدّة على النون جديدة بعد شدّة الجيم، عنااااء فوق عناء.. فما لاقاه سيدنا إبراهيم من قومه لم يكن بهينٍ، فأي نبي قد ألقاه قومه وهو حي في النار سواه؟!! وهكذا تسهم المدود في الإعجاز القرآني، وتشكّل إشاراته ومعانيه.

 ولنأتي لأم كلثوم بعد أن عرفت ذلك ووعته، فنراها تقول في #الأطلال مثلًا (أين مني مجلسٌ أنت به؟!) فتقف على حرف الياء طويلًا وقت النطق _على غير طبيعته الوظيفية هنا، فهو ليس بمد_ ليصبح نطقها به كما نكتب نحن أحيانا على الفيسبوك بتكرار رسم الحرف للإشارة إلى وقوفنا عليه وقت النطق، فنجدها تقول (أيييييييييييييييين مني.. مجلسٌ أنت به!) ومع طول النطق بالحرف زمنيًا ترمي بك أم كلثوم لعين مقصدها، وهو طول المسافة المكانيّة/والوجدانية/ والنفسيّة فيما بينها وبين حبيبها في الوقت الحالي! وتسوق إليك أمنيتها المغلفة بالاستفهام للتمني.. آه لو أنها فقط اقتربت من جلس هو فيه! (الله عليك يا ست!) الست تعطيك حقك في التخيّل، ووقتك للانفعال الدرامي معها، وحقك في الوصول للطرَب على مهل.. تعطيك مساحتك الخاصة لتذكُر من تحب لتتساءل (أين هو الآن مني! وأين أنا الآن منه، وأين من كلانا العاطفة والوفاق!!) مدّة إطالتها بالياء.

أخشى أن أقول إن أم كلثوم قد جوّدت الشعر بطريقتها، ووضعت له القواعد الخاصة، التي أحكمتها على نفسها ومقاييس صوتها .. أترككم مع مدّها في #ثورة_الشك وهي تقول: (وما أنا بالمصدِّق فيك قولًا، ولكني شقيييييييييي ييييييت بحسسسسسنِ ظني) فأي شقاء عانت، وأي حسنٍ قابلت به هذا الشقاء!




Enregistrer un commentaire

Plus récente Plus ancienne