الشاعر الكبير عبد البر علواني يتذكر: يوميات معلم في الأرياف





عبد البر علواني:  بدأت رحلتي الأولى في العمل معلما للرياضيات،بمدرسة العيسوية بسيدي سالم محافظة كفرالشيخ،وهي قرية تبعد عن مركز المدينة حوالي خمسة كيلو مترات،طريق غير ممهد،حاملا معي قفة وضعت فيها بطانية وبعض ملابسي،وكتاب العقد الفريد لابن عبدربه،وديوان الشوقيات لأحمد شوقي،والنظرات والعبرات للمنفلوطي،وكتاب ألف ليلة وليلة،ومجمرة البدايات لأستاذي محمد عفيفي مطر،وبعض الأرغفة،وبرطمان جبنة قديمة،وبعض الأرز،والبصل والثوم،وقليل من الفاصوليا،ولم تنس أمي أن تضع لي ملحا وكمونا،لزوم إعداد الطعام،كانت الحمولة ثقيلة،والطريق بعيدا،والجسم نحيلا ،عندما وصلت موقف سيدي سالم سألت على العيسوية،فدلني رجل على الطريق،لم تكن هناك مواصلات ،والمطر شديد،تسمرت في مكاني،وازدادت حيرتي،إلى أن مر رجل من أمامي راكبا حمارا،وأمامه بعض الكتب،فخمنت وصدق حدسي،أنه ذاهب إلى العيسوية،ولما أجاب بنعم،قلت له هل تساعدني في حمل هذه القفة أمامك،إلى مدرسة العيسوية

،ابتسم الرجل وناولته القفة،وقلت له أنا ذاهب لاستلام عملي بالمدرسة هناك،كان هذا الرجل المرحوم الحاج السيد بسيوني عبدالرحيم عامل المدرسة،وصلت المدرسة،ملطخا بالطين،لا تبدو على هيئتي أني معلم،دخلت على ناظر المدرسة،الأستاذ محمد مرزوق،استقبلني ورثى لحالي،والمدرسة ليس بها مياه،بيت قديم للحاج محمود العيسوي،المدرسة عبارة عن حجرة في الخارج على يسار المبنى لناظر المدرسة والمعلمين،ثم باب المدرسة وطرقة صغيرة بين ثلاثة فصول من اليمين يقابلها ثلاثة فصول على اليسار،ودورة المياه في آخر الطرقة،وطابور الصباح كان أمام بوابة المدرسة في الشارع،جاء زملائي المعلمون للترحيب بالوافد الجديد،فرأوا شابا رث الثياب،عليه أثر السفر،رحبوا بي،واحدا واحدا،

عبدالعزيز خطاب،فتوح البسيقي،عطية الحصاوي،فتحي مصطفى عطية،محمد كمال يوسف،سعد جبارة،عبدالفتاح موسى جنة،وكان سكرتير المدرسة وقتها الأستاذ محمد البستاوي،ومدام روحية،ومعلمتان من الإسكندرية،أخذني أحد زملائي إلى بيت جابر الدهبي حيث يسكن هو،بالقرية،خلعت ملابسي وتحممت،وجلست،وجاء صاحب البيت الحاج جابر الذهبي،وقدم واجب الضيافة،كان اليوم يوم الأحد،وهو سوق سيدي سالم،وهذا اليوم يوم المحشي في أغلبية البيوت،وخاصة أن الشتاء كان يحتاج مثل هذه الأكلة،وكان يقدم مع المحشي القشطة،المهم أكلنا وحمدنا ربنا.

 في اليوم التالي تسلمت جدول الحصص بالصف السادس الابتدائي،ومازلت أذكر تلامذتي في هذه المدرسة،كنت مرتبطا بهم ارتباطا عاطفيا،لم أذكر يوما أنني حملت عصا،أو آذيت تلميذا بفاحش من القول،كما نسمع الآن،اقتربت منهم،وكان همي أن أعلمهم ما استطعت إلى ذلك سبيلا،وجدت فارقا كبيرا بين الحياة العملية،وما درسته في دار المعلمين،تعثرت في بداية الأمر،كنت أذاكر مثل الطالب ،وأعكف عل حل التدريبات.

،أسأل زملائي،أحاورهم أناقش ما صعب علي فهمه،لاأجادل في الحق،ولا أقدم لطلابي الدرس في أحاجي،إنما كنت أتدرج معهم،من السهل إلى الصعب،وكم كانت سعادتي كبيرة حينما أراهم لايخطئون،كان بينهم نابهون،أذكر منهم،السعيد سليمان،وعلي فؤادالعيسوي،وفتوح سليمان،وزينب محمد السواق،ورحيمة عبدالله بسيوني،وبسيوني السيد بسيوني، وآخرون،رأيت مدرسة بلا إمكانات،ومعلمين يتحدون الظروف،ويقدمون كل طاقاتهم من أجل أن ينقذوا الأبناء من الجهل، كان أول راتب تقاضيته عام ٧٥ هو ستة عشر جنيها واثنان وثلاثون قرشا،كانت البركة حالة في هذا الراتب الزهيد،حيث الرضا والحب الذي كانت تحيطنا به القرية وأهلها.



Post a Comment

Previous Post Next Post