د. أحمد الجبالي يكتب: لغة القرآن بين الهوية الدينية والظاهرة الاجتماعية

 


لغة القرآن بين الهوية الدينية والظاهرة الاجتماعية
أولا: تحرير مصطلحات العنوان
مفهوم اللغة عند ابن جني في كتابه الخصائص :  أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم ([1])، فهو لم يقتصر ابن جني مفهوم اللغة على التعبير، وإنما كان موسعا، إذ شمل كل من المتكلم الذي يصدر الأصوات، والمتلقي الذي يحلل ما يسمع من جمل وعبارات في تراكيب لغوية ذات معنى وهدف ومقصد، ثم الرسالة التي تعد حلقة وصل بين المتكلم والمتلقي في آن واحد"[2]"
وأما عن تعريف القرآن الكريم : فهو كلام الله المنزّل على خاتم الأنبياء والمرسلين، بوساطة الأمين جبريل عليه السلام، المكتوب في المصاحف، المحفوظ في الصدور، المنقول إلينا بالتواتر، المتعبد بتلاوته، المبدوء بسورة الفاتحة، المختتم بسورة الناس"[3]"
وأما الهوية : فهي مجمل السمات التي تميز شيئا عن غيره، أو شخص عن آخر، أو مجموعه عن غيرها، كل منها يحمل عدة عناصر في هويته وعناصر الهوية هي شيء متحرك ديناميكي يمكن أن يبرز أحدها، أو بعضها في مرحلة معينة، وبعضها الآخر في مرحلة أخرى، والهوية الشخصية تعرف شخصا بشكله ورسمه وصفاته وجنسيته وعمره وميلاده وعقيدته ... وهكذا
أما عن مفهوم الظاهرة الاجتماعية فهي نوع من السلوك المجتمعي تجاه قضية معينة، أو أمر معين في المجتمع، وتختلف هذه الظواهر في تأثيرها بين الايجابية والسلبية ."[4]"  
ثانيا : القرآن الكريم كتاب عربي مبين
(أ)- ما من نبي يبعث إلا بلغة قومه
قال تعالى : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } إبراهيم :4
(ب) – اللغة العربية لغة القرآن الكريم
- قال تعالى : { الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [سورة يوسف: 2] وفي الزخرف {حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ* إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الزخرف: 2] والمبين أي
وقال تعالى :- {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ * وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ} [الرعد: 36-37]
- قال تعالى : {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا } طه: 113.
- قال تعالى : {وَإِنَّهُ لَتَنزيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نزلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [سورة الشعراء: 192-195]
- قال تعالى : {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً وَهذاكِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَاناً عَرَبِيّاً لِّيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ} الأحقاف : 12
- قال تعالى : {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ } النحل : 103
- قال تعالى : {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} فصلت: 44
والمتأمل في تلك الآيات يجد أن جلها اتفق في كلمات ثلاث ( لسان – عربي – مبين)
وقد جاء اللسان في النظم القرآني على معان ثلاث
1-  بالمعنى الحقيقي  العضو المعروف
-         قال تعالى : {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا، وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا. أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ، فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ، فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ، أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ، أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ، وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [الأحزاب: 19]
-        قال تعالى : {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ } النور : 15
-        قال تعالى : {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ }القيامة :16-19
-         قال تعالى:{ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ*وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} الغاشية :8- 10
2-    بالمعنى الكنائي ويقصد به الثناء الحسن
-        قال تعالى حكاية عن مسألة إبراهيم عليه السلام : { رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ}الشعراء : 83- 84
-        قال تعالى  في حق ابراهيم عليه السلام :   {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونَ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا}مريم : 50
3-  بالمعنى المجازي ( المجاز المرسل لعلاقة الآلية)
ويقصد به اللغة، وذلك كما ورد في الآيات السابقة الدالة على عربية القرآن الكريم.
شبهة في صورة سؤال
 إذا كان القرآن الكريم كتاباً لكل البشرية، فلماذا أنزله الله باللغة العربية، ولم ينزله بلغة أخرى غيرها؟
الجواب على هذا السؤال أو الرد على هذه الشبهة يكمن في
-        أنه لو كان هذه الشبهة ثابتة للزم عدم صحة نسبة الإنجيل إلى الله تعالى، حيث إنه كتب بلغة لا يفهمها أكثر البشر وهي اللغة (الآرمية) وهم يزعمون أن سيدنا عيسى – عليه وعلى نبينا السلام- قد أرسل إلى جميع الأمم.
-        أن كل كتاب سماوي ينبغي أن ينزل بلغة الرسول الذي ينزل عليه ذلك الكتاب، ليتمكن من التعامل معه بصورة طبيعية، ومن ثم كان من الطبيعي اختيار اللغة العربية دون غيرها من اللغات، حيث إنها اللغة التي كان يتحدث بها أهل مكة الذين بعث إليهم النبي محمد (صلى الله عليه و آله).
-         كما أن أي رسول لا بُدَّ وأن يتحدث بلسان القوم المرسَل إليهم، أو المبعوث فيهم ، ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الأمر حيث قال : ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ إبراهيم:4 ، فكان من الطبيعي أن يتم نزول القرآن باللغة العربية التي هي لغة النبي محمد ( صلى الله عليه و آله )، و لغة قومه الذين يعيش معهم .
ولكن ثمة سؤال يفرض نفسه على كلامنا هذا : لماذا اختار الله العربية دون غيرها لتحمل بألفاظها وتراكيبها معاني أفضل الشرائع وأتمها، وخاتمة أمره لأهل الأرض؟
الجواب  ذلك يكمن في  خصائص اللغة العربية وقابلياتها الحيوية ومرونة تعبيراتها وسعتها وما إليها من مميزات من حيث الاشتقاق الصرفي، والإيجاز، والخصائص الصوتية، وإمكانية تعريب الألفاظ الواردة، تجعل اختيارها لغة للقرآن الكريم هو الخيار الصحيح .
فاللغة العربية من أغنى اللغات كلما، وأعذبها منطقا، وأسلسها أسلوبا، وأغزرها مادة، ولها من عوامل النمو ودواعي البقاء والرقي ما قلما يتهيأ لغيرها، وذلك لما فيها من اختلاف طرق الوضع والدلالة، وغلبة اطراد التصريف والاشتقاق، وتنوع المجاز والكناية، وتعدد المترادفات.
والحق ما شهد به الأعداء
فهذا المستشرق الأجنبي(إرنست رينان)  في كتاب (تاريخ اللغات السامية) يتحدث عن العربية فيقول : من أغرب المدهشات أن تثبت تلك اللغة القوية، وتصل إلى درجة الكمال وسط الصحاري، عند أمة من الرحل، تلك اللغة التي فاقت إخوتها بكثرة مفرداتها، ودقة معانيها، وحسن نظام مبانيها، وكانت هذه اللغة مجهولة عند الأمم، ومن يوم أن علمت ظهرت لنا في حلل الكمال إلى درجة أنها لم تتغير أي تغير يذكر، حتى إنها لم يعرف لها في كل أطوار حياتها لا طفولة ولا شيخوخة( ينظر : مجلة الأزهر – مجلد 3 ص- 240)
-        هذا مضافاً إلى أننا لا نشك في أن نزول القرآن باللغة العربية دون غيرها من اللغات لم يكن عفوياً، بل كان لأسباب دقيقة، و هو بكل تأكيد اختيار حكيم لأنه من قِبَلِ رب العالمين، و نحن نؤمن بوجود الحكمة في هذا الاختيار سواءً تبيَّنت لنا أسبابه أم لم تتبين .
ناهيك على أن القرآن الكريم وقت نزوله لم توجد لغة تستطيع حمل معانيه سوى اللغة العربية، وقد صنعها الله تعالى على عينه، فكان لها الصدارة وقصب السبق بين اللغات الموجودة آن ذاك، ولم لا وقد كانت اللغة العربية وقتئذ يتبارى بها الشعراء والأدباء حتى صنعوا لها أسواقا يعرض كل منهم فيه سلعته الغالية مما يحمله من أبيات شعرية بديعة، أو خطب نثرية فصيحة وكانوا يضربون لكبيرهم قبة يجلس فيها ليحكم بين الشعراء والأدباء "فكان النابغة الذبيانى تضرب له قبّة حمراء من أدم بسوق عكاظ فتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها. قال: فأول من أنشده الأعشى: ميمون بن قيس أبو بصير، ثم أنشدته الخنساء فقال لها النابغة: لولا أنَّ أبا بصير يعني الأعشى أنشدني قبلك لقلت أنك أشعر الإنس والجن فقال حسان: أنا اشعر منك ومنها ومن أبي بصير، حيث أقول:
لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نسجه دما
وليدنا بني العنقاء وأبن محرق ... فاكرم بنا خالا واكرم بنا أبنمـــــا!
فقال له النابغة: انك لشاعر لولا انك قلت الجفنات فقللت العدد ولو قلت الجفان كان أكثر؛ وقلت يلمعن بالضحى، ولو قلت يشرقن بالدجى كان ابلغ وقلت يقطرن ولو قلت يجرين كان ابلغ؛ وفخرت بما ولدت ولم تفخر بمن ولدك على انك يا بني لا تحسن أن تقول:
فانك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أنَّ المنتآى عنك واسعُ
فقام حسان خجلا منكسرا.
وعلى كل فإن اختيار لغة قوم الرسول لا يدل على انحصار الدعوة في من يتكلم بتلك اللغة خاصة، وأن الأدلة القاطعة تثبت خلاف ذلك.
وأما كيفية تبليغه للناس وهم لا يفهمون العربية، فهذا التبليغ بترجمة معانيه، أو تعليمهم هم العربية، وهذا ما حدث في القرون الأولى للفتوحات الإسلامية، حيث عرضت الدعوة على كافة الناس، فآمن منهم من آمن ، وتفقهوا في الدين، بل برعوا في لغة كتاب ربهم وألفوا فيها وفاقوا أقرانهم ممن هم ولدوا بالعربية، وخير مثال على ذلك هؤلاء العلماء الذين جاؤا لنا من بلاد ما وراء النهر وحملوا لواء العلم في كل المجالات كالتفسير والحديث واللغة والطب والفلك والرياضيات وما شبه ذلك ...
هنا يأتي دور السؤال :
 هل لغة القرآن ظاهرة اجتماعية أم ذات صبغة عقدية دينية؟
أما عن إجابة السؤال فلابد أن نقف أولا على أن الظاهرة معناها شيء لم يكن موجودا أو كان موجودا ولكن لم يعتد به ثم سرعان ما أصبح منتشرا وأصبح ظاهرا مألوفا بين الناس، ثم يأتي زمان حتى وإن طال وتختفي تلك الظاهرة، وتكون حدثا فيما سلف، أو ذكرى تسرد حكايتها مع تحقق عدم وجودها وقت سرد حكايتها .
وإذا طبقنا هذا المفهوم على  لغة القرآن الكريم بصفة خاصة
لوجدنا أن عنصر الفناء غير موجود فيها، بل بقاء الألفاظ وما تحمله من معان، بل مع استمرار وجودها تتحقق معان  وتظهر مفاهيم جديدة للمفردة القرآنية لم يصل إليها مفسر محقق، أو يقف على بلاغتها بليغ مدقق ، ولم لا فهو لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرد .
وحضرني الآن مقولة الشيخ سهل بن عبد الله التستري وهو من المتصوفين : "لَوْ أُعْطِيَ الْعَبْدُ بِكُلِّ حَرْفٍ مِنَ الْقُرْآنِ أَلْفَ فَهْمٍ لَمْ يَبْلُغْ نِهَايَةَ مَا أَوْدَعَهُ اللَّهُ فِي آيَةٍ مِنْ كِتَابِهِ؛ لِأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ وَكَلَامُهُ صِفَتُهُ، وَكَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ نِهَايَةٌ فَكَذَلِكَ لَا نِهَايَةَ لِفَهْمِ كَلَامِهِ وإنما يفهم كل بمقدار مَا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَكَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَلَا تَبْلُغُ إِلَى نِهَايَةِ فَهْمِهِ فُهُومٌ مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ""[5]".
وعلى هذا نستطيع أن نقول إن لغة القرآن الكريم لغة توقيفية (أي أن الله أوقفنا عليها وقد أنزل القرآن من عنده – وإن كان على طريق العرب وأساليبهم في التعبير عن معانيهم وليست توفيقية مكتسبة أي أن الله وفقنا إليها) وفرق بين أوقفنا عليه، ووفقنا إليها) فهي ليست وليدة تفاعل مجتمعي، أو ظاهرة مجتمعية، سرعان ما تنتشر سرعان ما تزول، بل هي لغة باقية بقاء الحياة، وكلامه تعالى سيظل معجزا والتحدي بإعجازه قائم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، قال تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88] 
ولي وقفة مع بعض النماذج التي أرادت أن يأتوا بمثل لفظ القرآن وعجزوا مما ذكر في كتب النقد والأدب وكتب علوم القرآن.
أمثال الروايات التي تذكر أن مسيلمة زعم أن له قرآنًا نزل عليه من السماء ويأتيه به ملك يسمى رحمن، ومن قرآنه الذي زعمه:
-        والمبذرات زرعًا، والحاصدات حصدًا، والذاريات قمحًا، والطاحنات طحنًا، والعاجنات عجنًا، والخابزات خبزًا، والثاردات ثردًا، واللاقمات لقمًا، إهالة وسمنا ... لقد فضلتم على أهل الوبر، وما سبقكم أهل المدر، ريفكم فامنعوه، والمعتر فآووه والباغي فناوئوه ...
-        وقوله: والشاء وألوانها، وأعجبها السود وألبانها، والشاة السوداء، واللبن الأبيض، إنه لعجب محض، وقد حرم المذق فما لكم لا تمجعون.
-        وقوله: الفيل ما الفيل، وما أدراك ما الفيل، له ذنب وبيل، وخرطوم طويل
-        وقال الجاحظ في "الحيوان" عند القول في الضفدع: ولا أدري ما هيج مسيلمة على ذكرها، ولم ساء رأيه فيها حتى جعل بزعمه فيها فيما نزل عليه من قرآنه: يا ضفدع بنت ضفدعين، نقي ما تنقين، نصفك في الماء ونصفك في الطين، لا الماء تكدرين، ولا الشارب تمنعين.
وكل كلامه على هذا النمط واه سخيف لا ينهض ولا يتماسك، بل هو مضطرب النسج مبتذل المعنى مستهلك من جهتيه، وما كان الرجل من السخف بحيث ترى، ولا من الجهل بمعاني الكلام وسوء البصر بمواضعه ولكن لذلك سببًا نحن ذاكروه متى انتهى بنا الكلام إلى موضعه الذي هو أملك به. "[6]"
 وهي دعوى حق أريد بها باطل إذ أن ما ذكر من غث الكلام لا يليق أن نقول عليه أراد مضاهات القرآن الكريم بمثل هذا الهراء فعجز لأن في ذلك منقصة من قدر القرآن الكريم والأخذ من قدسيته ولله در القائل :
أَلَمْ تَرَ أَنَّ السَّيْفَ يَنْقُصُ قَدْرُهُ ... إِذَا قِيْلَ هَذَا السَّيْفُ أَمْضَى مِنَ العَصَا
مثل من سميائية الرسم العثماني  ودلالة أنه رسم توقيفي وليس توفيقيا
-         في كتابة كلمة "أيد" من قوله تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْد} إذ كتبت هكذا "بأييد" وذلك للإيماء إلى تعظيم قوة الله التي بنى بها السماء، وأنها لا تشبهها قوة على حد القاعدة المشهورة، وهي: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى.
-        في الرسم العثماني كلمة صاحبه مرة تكتب (صحبه) من غير ألف ومرة تكتب (صاحبه) بالمد بالألف ( وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا* وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا*قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا)  الصاحب واحد وهو الرجل الأقل مالا وولدا في نظر صاحبه الذي يملك المال والولد وتكبر ونظر إلى صاحبه أنه ذليل كسير لا يستطيع أن يرفع قامته فجاء الرسم العثماني ليرسم هذا المعنى الموجود في نفس المتكلم خطا ولفظا، أما عندما تكلم هذا الصاحب نفسه تكلم بعزة نفس وشموخ وأنفة لأنه رضي بما أعطاه الله ولم يتكبر.
-        ومن سميائية الخط أيضا في قوله تعالى {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ}ق: 10-11
من عادة الرسم العثماني أن الاسم المجموع وفيه مد بالأف يوضع مكان الألف ألف صغيرة بعد الحرف وليس ألف مد كما في أصحاب الأيكة – السموات - ... وغيرها من أمثلة ، إلا هذه الكلمة فكانت القاعدة مختلفة حتى يتناسب الخط بالمد مع وصف النخل بالطول .
هذا والله أعلى وأعلم وأعز وأحكم
([1]) الخصائص – ابن جني : 1 / 34 
([2]) البعد التداولي في كتاب الخصائص لابن جني -  مجيد خير الله الزاملي -  مجلة لارك للفلسفة واللسانيات والعلوم الاجتماعية
([3]) ينظر في تعريف القرآن الكريم –  مناهل العرفان في علوم القرآن، للشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني 1/19،  التعبير الفني في القرآن، د. بكري شيخ أمين ص 11. لمحات في علوم القرآن، لمحمد الصباغ ص 6.
([4])  ينظر في تعريف الظاهرة الاجتماعية – كتب علم الاجتماع   
([5])  البرهان في علوم القرآن - أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي : 1/ 9  المحقق: محمد أبو الفضل إبراهيم الطبعة: الأولى، 1376 هـ - 1957 م الناشر: دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه.
([6])  تاريخ آداب العرب- مصطفى صادق الرافعي 2 / 116 الناشر: دار الكتاب العربي
 



إرسال تعليق

أحدث أقدم