د. إبراهيم أبو المجد: الرمزية والاتكاء على نصوص قرآنية في مجموعة «على قارعة الحواديت» تؤكد عظمة الخالق وإبداعه اللامحدود

 



بداية أقدم لأخي الدكتور طه هنداوي خالص التبريكات والتهاني لصدور مجموعته القصصية على قارعة الحواديت والتي أمتعتني أثناء قراءتها وأتمنى أن أتجول بالقارئ العزيز بين دفتي المجموعة وأنتقل به من حدوته إلى أخرى على قارعة طه هنداوي ولنبدأ الجولة الآن ..

عكف هنداوي على استخدام مفردات قرانية كثيرة ترجع الي خلفيته الدينية وتأثره بالقرآن الكريم مما أضفي روحانيات إيمانية خاصة مثل سيمفونية وكأنه هو. الاهتمام بالغموض والتشويق هنداوي مهتم ببناء قصص تشد القارئ من البداية، مع التركيز على الأحلام والرؤى الغريبة كما في المشنقة او المفاجئة كما في عروستي او الفأر العجوز يلتهم القطة. الرمزية والفلسفة تميل القصة إلى تضمين رمزية معينة أو تساؤلات حول الحياة والمصير، ما يعكس عقلية تميل إلى التفكير العميق كما في الكثير من القصص مثل شتان تتابعات والمحار وجدارية. الأسلوب الواقعي والبسيط و الشخصيات والأحداث مستوحاة من واقع يمكن تصديقه، ما يجعل النص قريبًا من القارئ رغم عنصر الخيال او استخدام الرمزية مثل زيارة عائلية عروستي. النهايات المفتوحة هنداوي يبدو ميالًا لاستخدام النهايات المفتوحة او من تحتمل تأويلات عدة و التي تترك أثرًا قويًا أو شعورًا بعدم الاكتمال، لإبقاء القارئ متأثرًا ومشغولا بعد انتهاء القصة مثل المشنقة ونؤوم الضحي ، زيارة عائلية ، والفأر العجوز يلتهم القطة . أيضا بعض القصص تحمل طبيعة شاعرية رومانسية نظرا لان هنداوي في الأساس شاعر مميز وله إصدارات متعددة اللفة الشاعرية..مثل كانه هووو..نؤوم الضحي.. أثر. الحس الفكاهي لا تخلو المجموعة القصصية منه مما يضفي بعدا وعنصرا آخر من الجذب للقارئ مثل القبلة، وطقوس. ايضا اعتمد هنداوي في بعض قصصه على تناول مفاهيم علمية أو طبية ووظفها في إطار النص مثل قصة خبث وزيارة عائلية ومعجزة وأثر. اهتم هنداوي أيضا بالقيم الإنسانية النبيلة والحنين إلى الأم والوطن والارتباط بالماضي باعتباره جسرا للأم والوطن معا ومحاولة استحضارهما في الأذهان والقلوب واستنطاق الواقع بالحنين والشوق لهما مثل قصة فردوس أمي وبسمة .

المشنقة القصة نجحت في خلق اجواء مشحونة بالتوتر والغموض مما يجذب ذلك القارئ وتثير فضوله والقصه تناولت الجانب النفسي من خلال قلق الجزار وارتباط الحلم الواقع وهنداوي هنا أراد أن يلمح إلى تاثير الشك والخوف في قرارات الإنسان وما قد يؤدي إليه سوء الظن والخوف وقد كنت أتمنى إدخال خلفية عن سبب رؤية الجزار للحلم وما العلاقة التي تربطه بالرجل وإضافة بُعدٍ نفسي للجزار وتفسير سبب القلق.

عروستي كان أسلوب الحوار مباشر على خلاف أغلب قصص المجموعة أيضا الحبكة تصاعدية تبدأ بالهدوء ثم تزداد توترا تدريجيا مع تصاعد الخلاف وصولا إلى ذروة الاختيار والحوار كان واقعيا جدا يعكس شخصيات مختلفة بعواطفها وانفعالاتها وتطور الأحداث كان تطورا تدريجيا بأسلوب يشد القارئ لمتابعة ما سيحدث لاحقا، القصة مليئة بالتوترات والانفعالات المتزايدة مما يجعلها جذابة والنهاية عبثية ومليئة بالسخرية تضيف بُعدا آخر للتشويق والمفاجأة.

كأنه هووووووو! القصة مليئة وغنية بتصويرات بلاغية من الاستعارات والتشبيهات مثل من زمان الوصل أغصانا يبني بها من شفائف الأشواق مرفأ ومن صفاء الروح مركبا وصولا لفستان الفرح الأخضر نجد هنداوي استبدل اللون الأخضر عوضا عن الأبيض حتى يتناسب مع عبارة يهدي إلى صحراء العمر القاحلة أنباء الربيع به من بهجة ودلالة على النماء والإعمار وقد كانت مثل هذه التراكيب اللغوية التي استخدمها هنداوي قد أضافت بُعدا عاطفيا يجعل القارئ يشعر بانغماس في مشاعر الشخصية التي كانت تعاني الفشل والإحساس بالقسوة ويظهر هذا في ركل قلبها بطريقة قاسية بشكل دراماتيكي في إطار فانتازي معبرة عن حالة الشخصية اليائسة التي صورها على أنها لاعب متمرس بل وقائد جعل من قلبه كرة حوله مجموعة من الأشبال والذين تعمدوا خداعه بأنه يمتلك لياقة ورشاقة وقيادة لم تكن فيه وإذا برأس الحربة يركل قلبه بكل قسوة ليسدل ستار النهاية، هنا يختم هنداوي بتركيبة قرآنية وهي نفسها عنوان قصته ولن تخلو مجموعته القصصية من حين لآخر من تلك التراكيب الغنية بدلالات ومعانٍ تبث فينا روحانيات إيمانية. الفأر العجوز يلتهم القطة من العنوان نجد التناقض الذي ينبض بالحياة هنا بعد أن غادرنا قصة كأنه هو واستخدام الرمزية هنا نجد هنداوي أيضا يستخدم القطة الصغيرة كرمز يعاني صراعا داخليا من الطموح والخوف من الفشل وقد ترك هنداوي النهاية مفتوحة أمام القارئ رغم أن العنوان أكد على أن الفأر هو المنتصر وقد استخدم تعابير مجازية غنية بصور بلاغية ممتعة وأيضا اعتنى هنداوي بوصف التفاصيل الدقيقة مثل الذيل المقروط والشارب الأبيض، العجوز الهزيل، والأسنان الآيلة للسقوط التي تعطي تصورا عن الحالة العامة لشخصيات القصة والتأويل والتنبؤ بما قد يحدث لها في النهاية.

على قارعة الحواديت وهي قصة العنوان وعنوان القصة وهنا لا زال هنداوي يهتم بالرمزية وقد استخدمت التشبيه والاستعارة ببراعة حيث مثلت جلباب الليل مشاعر الحزن والانزعاج والانعزال بينما اليد البيضاء كانت رمزا للتغيير والأمل، الشخصية الرئيسية تطورت بشكل ملحوظ عبر أحداث القصة بدءا من النزال والخوف إلى النجاح والتفاعل مع العالم الخارجي والنص مليء بالتعابير الشعرية والجمل الرقيقة التي تحمل عمقا شعوريا والتوازن بين الواقعية والرومانسية، كان هنداوي مصممًا على أن يجعل خاتمتها تحمل نوعا من التفاؤل أو يعطينا دهشة حقيقية، لكن من الطبيعي والبديهي أن يتعامل المجتمع العربي مع مشاعر الحب الوليد الطاهر بشيء من الريبة والشك مصحوبا بالاغتيال غير الرحيم ولنا في قصة قيس وليلي المثل، وكيف كانت النهاية مأسوية لقيس الشاعر المحب المخلص.

في قصة فردوس أمي استخدم هنداوي وصفا حسيا عاطفيا عميقا يثير المشاعر في القارئ، هنا أيضا استخدم الرمزية وتصوير الأم كالوطن والسكن ورسم صورة القمر كامتداد لوجودها وقد مزج هنداوي الواقع بالرمزية الخيالية مثل تحويل وجه القمر إلى وجه الأم وتسليط الضوء على ألم الفقد.

نؤوم الضحى هنا الطبيعة الشاعرية تظهر أيضا على هذا النص ولِمَ لا فكاتبنا شاعر مميز فنجد لغة أدبية غنية بالصور البلاغية والتشبيهات تجعل القصة أشبه بمشهد شعري، محور النص حول مشاعر الإعجاب والرغبة في التواصل الحميمي وأيضا الرمزية حيث تقف الأزهار في صفوف منتظمة تمثل حالة من الحيوية والنشاط، تمتاز بالجمال والرغبة في الانفراد بلحظة خاصة عبارة اغتسلت بماء عينيه. حنين هنا لا زال هنداوي يستخدم الرمزية بحرفية وقد كان الأسلوب سلسًا وجذابًا لكنه يعاني من بعض الغموض، لقد نجح هنداوي في خلق شعور قوي بالحنين والارتباط بالماضي، وكانت المدنية رمز التحول والابتعاد عن هذا هذا الارتباط والشوق إلى الماضي وقد عمد إلى استخدام بعض التراكيب والعبارات التي أضفت جمالا بصريا على النص مثل (تفتح عن عروس الليالي الصغيرة رشيقة القوام عريضة الصدر والقاعدة ذات خصر نحيل يزين رأسها تاج زجاجي رقيق ..إلى آخره)

خطأ مع سبق الاصرار القصة تحمل فكرة إنسانية تتعلق بالعدالة وعاقبه التنمر والسلوك غير والسلوك غير المدروس، بدأت القصة بموقف بسيط تحول تدريجيا إلى مأساة مما يجعل القارئ يتأمل في الأثر النفسي للافعال، واستخدم هنداوي المشاعر مثل بكاء الطفل ولهفة أصدقائه ثم النهاية المأسوية التي تترك أثرًا قويا في نفس القارئ. معجزة القصة تسلط الضوء على حالة إنسانية مؤثرة تعكس الألم والضعف والصراع بين الحياة والموت مما يجذب انتباه القارئ رقم 17 شمعة، يعكس فكرة الاحتفال بالحياة مع قصرها والرمزية للمراحل التالية، يستخدم هنداوي لغة وصفت المشاعر والتفاصيل بشكل واضح، مثل نبتت البرودة في أعضائه حتى أصيب بالتجمد، تحركت أنامله، أمسك بضرسه، ودق دقات متقطعة.


خيانة مشروعة هنا يصر هنداوي على محاولة سرقة اللحظة الرومانسية والانفلات منها وكأنها وصمة عار أو إثم قد يسقط فيه، وقد تكرر نفس النهج في قصص قُبله، وخيانة مشروعة ومثنى وثلاث ورباع فلطالما بعد أن أوحى إلينا بتلك الأحاسيس والانسياق وراء مفردات تحمل عاطفة أو تثير هوى فإذا به يحول البوصلة إلى هدف آخر، ما كان القارئ التي اعتركته المادية المقيتة يتمنى الوصول إلا لغيرها وذلك لإشباع رغبة لديه أو إحساسه بحرمان ما وهو- أي هنداوي- مع هذا يصل بنا إلى دهشته التي يسعى إليها. الكرسي القصة تعكس صراع الهادئ يفقده الحماسة للرتابة، وهي قصة تقليدية الحكائية وسطحية الرمز وقد تكون هي القصة التي نعتقد أنها خارجة عن سياق كاتبنا أو ربما تكون قصة استثنائية.

سيمفونية القصة لها رؤية تأملية تعكس أهمية الصلاة وتأثيرها في حياة الفرد من منظور روحاني وجسدي، وأسلوب هنداوي يمتاز بالشاعرية والرمزية ولغة النص تتميز بأنها لغة أدبية نثرية مليئة بالصور الجمالية مثل استنشاق الأكسجين من بستان الصلاة وسيمفونية التكامل والتوحيد مما يعطي بُعدا فنيا وأدبيا عميقا يمازج بين العلم والدين، والقصة تحمل رسالة روحية وأخلاقيه عميقة تدعو إلى التفكر والتأمل في قدرة الخالق العظيم، وبستان الصلاة هو مكان رمزي يعبر عن المسجد أو لحظة التواصل مع الله، وهنا هنداوي لا يزال يؤكد على استخدام الرمزية وتصوير التناغم بين أعضاء الجسم كفريق يعزف سيمفونية كونية مع استخدام نصوص قرآنية تؤكد عظمة الخالق وإبداعه اللامحدود في الكون والنفس البشرية. بسمة القصه تنشر رسالة إيجابية عن أثر العطاء والعلاقات الإنسانية، كما أن بناءَها التصاعدي يجعلها جذابة ومؤثرة وتسلط الضوء على القيم الإنسانية النبيلة بطريقة بسيطة لكنها جيدة ومؤثرة، يؤكد على قيمة العطاء وأن العطاء مهما كان بسيطا قد يصنع فارقا كبيرا في حياة الآخرين، وهو كالعدوى تصيب الجميع ولكن إن جنح المجتمع لمكافحة تلك العدوى أصيب بالتفكك والأمراض النفسية وقَلَّ الخير، والقصة تروي سلسلة مترابطة من أفعال الخير من بداية إعطاء الطفلة بسمة كيس مناديل لسيدة حزينة لينتقل هذا الخير عبر شخصيات مختلفة، حتى يعود في النهاية إلى نقطة البداية، الأحداث متصاعدة تحمل طابعاً إنسانيا وقيماً نبيلة قد تصنع البسمة على الوجوه لذا فإن القصة توحي بأن الطفلة اسمها بسمة أو أن افعال الخير ترسم بسمة جميلة على الوجوه. هيستريا نص يحمل معاناة وشقاء الإنسان في ظل رحلته لتوفير أقل متطلبات الحياة في إطار كوميديا اجتماعية سوداء، ويمكن أن تكون هيستريا لشيء مفقود نبحث عنه جميعا ودعوة للمساعدة والاستغاثة من الحرمان من شيء ما.

زيارة عائلية هنا هنداوي يختم قصته بنهاية مفتوحة حتى يترك للقارئ مساحة للمشاركة والتأمل، القصة هنا تفتقد لخلق صراع داخلي أو خارجي لزيادة العمق وأيضا التركيز على الحالة النفسية دون المرضية ووصف المشاعر والأحاسيس ولكن ما يميز هنداوي جعل الأحداث تتصارع بشكل تدريجي مما يخلق شيئا من التشويق والقلق لدى القارئ. أثر هو نص نثري يمتلك رموزا عديدة تستدعي التأويل والتحليل وهو نص قد يرمز إلى مغامرة جريئة أو هروب من واقع خانق أو أي حالة نفسية سيئة، ونجد هنا المفارقة بين الخوف والضوء واستخدام عبارات تحمل حقائق علمية مثل عدسة محدبة لتكبير الأشياء، وقد يريد هنداوي هنا إعادة التشكيل وإعادة التدوير لشيء ما، أو رحلة داخلية للأديب لاستكشاف أعماق النفس وهي رحلة خطرة يواجه فيها خوفه وأزماته وفي النهاية يدرك أن الماضي صعب محوه، ولكن يمكن أيضا أن يكون مصدرا للإلهام. المحار هو نص يسير على نفس درب القصة السابقة فهي قطعة أدبية تجريدية اللغة والصور، ومحاولة لتناول موضوعات تحمل عمقا حول الوجود والغربة والهوية، والمحار كرمز يعكس ذلك المعنى ويمثل الحماية والعزلة والتحول والتغيير والكنز المخفي، وهذا النص يمتاز بالبنية القصيرة المكثفة مما يجعلها ذات أثر عميق تمتاز بالغموض الزائد مما يصعب فهمها على كثير من القراء. طقوس وفي هذا النص الذي يعكس صراع الأجيال بين الآباء والأبناء واحتياجهم إلى التقدير تارة أو إلى مراعاة الظروف تارة أخرى، استخدم هنداوي الحس الفكاهي وذلك للتنكيل أحيانا أو الاستهزاء أحيانا أخرى. مثنى وثلاث ورباع وهنا هنداوي مصر على التلاعب بالقارئ والتغرير به، ففي بداية القصه وضع جُملًا تؤيد هذا التضليل فظن القارئ أن البطل عنتيلا طاف باثنتين ثم عاد إلى الطواف بالثالثة، فإذا بنا نجده زنبيلاً يرغب في ماكينة صرافة! القبلة لا زال هنداوي مصمم على التلاعب بالقارئ ومشاعره بحسه الفكاهي كعادته، وإذا به تعمد عدم تشكيل الكلمة الرئيسيه وأيضا دعمها بمفردات داعمة، لإحداث مزيد من التضليل ودعم الصورة التي يريد تأكيدها في البداية، 

ثم إذا بنا نجدها أرقى وأجل من أي تصور أو رغبة، فهي قبلة نتعبد أمامها خمس مرات يوميا. صدمة نص أدبي بلغة بسيطة وواضحة تمتاز بعدة مفاجآت أو تتابعات من أول خطوة مروراً بهاتف الأب وانقطاع المكالمة وعلى القارئ أن يستنتج ويفسر وفق رؤيته وتنتهي بالمفاجأة الأخيرة وأن الابنة الصغرى ليست موجودة، ويؤصل النص لحالة الهلع التي قد تنتاب الآباء والأمهات خوفا على أبنائهم. خبث القصة بها عدة حالات: الحالة الأولى تتحدث عن انقلاب النعمة أو تحولها بعد أن كانا يؤمان المصلين في المرحلة الإعدادية أصبح الآن أحدهما لا يستطيع أن يؤم المصلين والآخر بالكاد يصلي باستخدام مكبر الصوت. الحالة الثانية كانت تمثلها هالة، والتي أيضا ازدادت حالتها سوءا عندما تسمع القرآن الكريم، ولكنها في الأخير شُفيت، أما الحالة الثالثة فقد ألمَّ بها ما ألمَّ بالحالتين السابقتين ولكن النص لم يُشر إلى البيئة والأسباب التي أدت إلى كل تلك الأعراض والاختلالات النفسية والمرضية التي أصابتهم جميعا. دابة تأكل منسأته هذا النص القصير كان به تكرار لبعض الكلمات، ما أفقد النص قوته مثل كلمة إستراتيجية ومقاسات وأعمدة، وهو يعتبر أيضاً نصاً نثريا وليست قصة قصيرة جداً. نفور القصة تبين العلاقة بين شخصين وقبل أن نبدأ في القراءة، فإن القصة تنقل شعوراً قوياً بالعاطفة والاهتمام وتنقل كثيرا من المعاني بكلمات قليلة مكثفة، وقد ترك للقارئ أن يملأ المساحات الفارغة وذلك ليتساءل عن سبب الألم، ورمزية النهوض هنا قد يكون أنها غير قادرة على أن تقدم له يد العون أو أنها غير عابئة بنجاحاته، لذا فهو يحاول أن يسايرها حتى ينهض وينجح بدونها. جدارية القصة أيضا رمزية كما عهدنا مع هنداوي في العديد من قصص مجموعته، وتستند إلى تصوير معركة مع الجهل وتداعياته على الشخص.


في قصة سائر إلى هنا نجد هنداوي يستخدم التأخير والتقديم بين الكلمات، فمثلا أخطات التوقف قدماه بدلا من قدماه أخطات التوقف، لم يعد للبيع يصلح، بدلا من لم يعد يصلح للبيع، وكذلك لم يعد للسير يصلح، بدلا من لم يعد يصلح للسير، وأيضا قبلهما وعلى رجلين قد مسهما نصب يمشي، بدلا من يمشي على رجلين قد مسهما نصب، وهذا التقديم والتأخير قد يمثل حالة من التخبط والقلق الذي قاد في النهاية إلى المصير المحتوم.

والمجتمع، والقصة تقدم رؤية فلسفية ورمزية عميقة حول الجهل وسبل معالجته. والأسلوب مفعم بالصور البلاغية والتشبيهات، مما يعطي القصة طابعًا شعريًا، والنص لغته معقدة بعض الشيء وقد تكون مبهمة في بعض مواضعها. النص قد يكون صعب الفهم لبعض القراء بسبب استخدامه للغة المجازية المعقدة، وقد تكررت لفظة الجهل ومشتقاتها كسمة غالبة تتسم به أغلب المجتمعات خاصة العربية منها، وقد يلمح إلى حتلال أراضي الغير بالحيلة واستغلال الجهل، ولنا في إسرائيل وما تمارسه الدلالة وفي المقابل حالة التيه والجهل العربي لما يحاك لنا من مؤامرات ونحن في سبات عميق. تتابعات هنداوي استخدم لغة وصفية غنية ومشحونة ومليئة بالرمزية مثل عصا موسى وشقوق الذاكرة، لتجعل النص مثيراً للاهتمام وتعطيه عمقاً فلسفياً، والبطل داخل السوق وأمواج تحاول دفعه وهنا عصى موسى رمز للحل والتغيير المفاجئ، ومواجهة البطل مع امرأة غامضة تقول: (لا مش انتَ)، استدعاء صورة غامضة لشخص يرتدي أبيض ربما كان كفنًا، والبطل يدير ظهره ويمضي مشحونا بالدهشة.

شتان النص يعتمد على التناقض والصراع بين الاجيال لتوضيح الفرق في القيم والمبادئ وهو ما يثبت النص ويطير رساله الكرسي هنا رمز للدعم والاحترام والسلطة والنص يحمل حكمة وأمنية ومقارنة لتأكيد انهيار قيمي أو تردٍ أخلاقي.

سقوط القصة اعتمدت على رمزية مغرقة ومكثفة مما يفتح المزيد من التأويلات، والإشارة لمجمع البحرين والخضر يضيف عمقاُ وارتباطاً بالقصص التراثية والدينية مما يمنح القصة أبعاداً فلسفية وروحية. أخيراً لا أملك إلا أن أشكر الكاتب معالي الدكتور طه هنداوي الشاعر والقاص والأديب الكبير على المتعة التي قدمها لنا أثناء عروجنا على قصصه المتنوعة في مجموعته القصصية (على قارعة الحواديت )، وأتمني أن أكون قد وفقني الله العلي القدير فيما عرضته من تحليل ورؤية نقدية من متذوق لفن القصة القصيرة.
لقراءة العدد كاملًا.. اضغط هنا



Post a Comment

Previous Post Next Post