د. ماهر الجبالي: ديوان «أزمنة بلهاء».. بوح من مسير الحياة،. لكنه بوح صامت يغلف الكنايات والرموز

 




مما لا شك فيه أن الأدب هو الرئة التي يتنفس من خلالها الأدباء وأن الأديب الناجح هو الذي يشق لنفسه طريقًا في الإبداع ولا يكون صدى صوت لأحد، فلكل أديب لهجةُ تميزه عن غيره، ولذلك حينما تحدث النقاد عن ألوان الخيال قالوا الخيال نوعان: خيال تقليدي، وخيال ابتكاري، فالخيال التقليدي هو الذي يسير فيه الأديب على نهج غيره فيشبه مثل تشبيهاتهم، ويكني بكنايتهم، ويلون بريشتهم، أما الابتكاري هو الذي يأتي على غير مثال سابق لأن صاحبه يبدع في تفرد، ويتغنى في إبداع، ومما يجذبني دوماً للإعجاب بصنعة أديب سواء كان كاتباً او شاعراً هو هذا الملمح النقدي، كيف كانت صورُه وابتكاراته الخيالية

لكن مما أجمع عليه النقاد أيضاً أن الإبداع دوماً يكون أكثر صدقاً عندما يكون الألم هو المفجّرُ الأولُ للتجربة الشعورية، فالإبداعُ وليدُ الألم، ولا نجد مبدعاً هدهد مشاعرنا إلا وقد كان الألم هو رافد تجربته، إما من مرض يعانيه، أو من تجربة حب قاسية، أو من تجربة صداقة غادرة، أو من تجربة هجر مؤلمة، أو من تجربة ظلم أسيانة.. إلخ وهل أبدع المتنبي في تصوير الحمى إلا حينما أكلت جسده؟، وهل أبدع المعري إلا بسبب عاهة أقضت مضجعه، وهل أبدع الشرنوبي إلا بسبب هجر وظلم من أقاربه، وهل أبدع عبد الحميدُ الديب إلا بسبب فقر وظلم مجتمعي تعرض له، وهكذا دواليك مع معظم الشعراء المبدعين وصدق شوقي حينما قال: تفردتُ بالألم العبقري *** وأنبغ ما في الحياة الألم وقد قالوا إن الشاعر يكتب نيابة عن الجميع، لأنه يعرف الأعمق والأغور في أعماق الانسان، لكن العبرة في آلية التصوير في توظيف الكلمة في سياقها في الرسم بالكلمات. يقول المنفلوطي: إذا سمعت بيتاً من الشعر فأطربك فاعلم أنه من بيوت المعاني، وأن هذا الذي تركه في نفسك من الأثر هو روحهُ ومعناه، وإن مررت ببيت آخر فاستغلق عليك فهمه وخيل إليك أنك بين يدي جثة هامدة لا روح فيها، فاعلم أنه لا معنى له ولا حياة فيه، فإذا وجدت صاحبه واقفا بجانبه يحاول أن يوسوس لك أن وراء هذه الظلمة الحالكة نوراً متوهجا يكون في طياتها فكذبه وفرّ بنفسك وأدبك وذوقك منه فراراً لا عودة لك من بعده:

وحينما هاتفني د. طه هنداوي لدعوتي إلى مناقشة هذا الديوان قلت له ما يشير الي هذا المعنى الذي ذكره المنفلوطي، قلت له: إنني لا أقبل الذهاب إلى مثل هذه اللقاءات إلا اذا تصفحت العمل ورأيت أن فيه شيئاً يقال، لا لشيء إلا لأننا مشغولون عن الكلمة التي هي في الاصل أمانة، وربما نعطيها لمن لا يستحقها فنكونُ قد جنينا على الحق وضيعناه في وسط ضجيج اجوف من المجاملات السائدة في زماننا هذا فكم من لقاءات عقدت لتناقش أعمالا واهية ضعيفة لا شئ فيها من ذوق أو شعور أو مسحة أدبية بل أن الزياده فيها لا تساوي الزيادة في تراب الميت فليس فيها شيء ولا رائحةُ الشيء، ويجلس النقاد والأكاديميون على المنصات ليمجدوا عملا لا وزن له فيعطونه وزنا ولا قيمة له فيعطونه قيمة وهذه جناية مكتملة الأركان في حق الأدب والإبداع وليس هناك مبررٌ لتمرير هذا الغُثاء لا مجاملة لأن الوضع العام لا يُقدر المثقفين ولا خجلاً لأن الخجل في حقل النقد مفسدة، مَشرط النقد الموضوعية المنصفة، ومن ثم فقد طالعت هذا الديوان فوجدت فيه شيئاً يُقال وقضايا تناقش، وفي رأيي المتواضع أنه لا يُناقش إلا الأعمال الجادة أما الأعمال الضعيفة الهشة فلا تستحق المناقشة ولا المطارحة ولا إنفاق الوقت في قراءتها ،وليأذن لي أخي الكريم الأديب الشاعر حسن مأمون أن أعقد معه اتفاقاً وهو أن

ما سيقال ما هو إلا إخلاص للعلم الحق التي تروم الحقيقه وتهدف إلى الصدق، وأن النقد تقويم قبل أن يكون تقييمًا، أبدأ بعنوان الديوان «أزمنة بلهاء».. العنوان هو العتبة ولا بد أن ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمضمون وأنا أرى أن في الديوان سمات مختلفة ربما لا تتوافق مع عنوان الديوان مثل: «ومضات الشوق – رمل أحبتي – عطر الأحباب – متورط في العشق – وغير ذلك..». هي فقط قصيدة شيخ الأزمنة البلهاء وفي تجارب وجدانية حزينة لا شك لكن ليست كلها شكوى من الدهر حتى نصف الزمن بهذا الوصف، فضلاً عن المنحى الديني وهو أن سب الدهر منهي عنه شرعاً فلو اختار قصيدة أخرى لتكون مضمونا رئيسا لتجربته لكان أولى مثل «الشاعر والكلمات»، «الصمت القاتل» «حافة الصمت»، لأن تعبيراته في الديوان هي بوح من مسير الحياة، لكنه بوح صامت يغلف الكنايات والرموز العنوان العتبة الرئيس - لا بد أن تتصل بالتجارب الجزئية الحقول الجزئية في التجربة المكتملة. مثلا قصيدة خلود قصيدة الآباء والشموخ، إباء الشاعر أن يحمل مباخر الثقافة – وإصراره على البقاء في ساحة الشعر يعشق أمراً يريده قصيدة جيدة جداً والبداية بها بداية موفقة لكن ليس هناك ما يربطها بالعنوان الرئيسية ولي فيها ملحوظة في البيت الذي تقول فيه: «كأنك تعشق أمراً تريده غير مستساغ»، وهو مكسور وليتك تراجعه، لكن إيقاع القصيدة جميل جدا لا سيما ختامها المتفائل وهذه المناجاة اللذيذة والأمنية المحمودة: فيا كل روح القصيدةٍ مهلا/ بحق الزمان/ إذا مر يومُ/ إذا ضاع حب/ فأشرق علينا لكي نستعيده. هذا الأمل والتفاؤل لا يناسب الزمان الأبله، وفي قصيدة ومضات الشوق: وكأني أسبح في أنهار الجنة/ أرشف من شفتيك نقائي/ وكأني في الفردوس الأعلى/ ذا أتباهى/ بالنور الساكن في عينيك/ أتمم للصلوات وضوئي.. وأنا أتساءل كيف يأتي عنوان الديوان مع هذا الكلام "أزمنة بلهاء"، وموقع القصيدة أيضاً وقافيتها الممدودة التي تناسب هذا المد للإحساس المنثور ورجاء الشاعر أن يطول إحساسه ولذته «حيائي– سمائي – بقائي – وقعها جميل»، بيد أني أقف عند قولك: «عادت روح الحكمة ليوصفائي»، وأظن أنك لو قلت: «عادت روح الحكمة لي عاد صفائي» لكان أجمل، وأرى أنه بدلاً من فاحتضن الدنيا عشق، أن تقول: وكأني أنظر من شرفات الوجد عليك، هنا صمت وكأني من ومضات الشوق إليك..صمت كتابي، لكنه غير مستساغ – اكتفاء ليس في مكانه: بعد كل هذا البوح/ تأتي في طرفة عين بلقيس/ ولتملأ كل مساحات الذكرى، لا داعي لهذه الواو واللام لو قلت تملأ لكان أجدى: «فأرجو لو كنت سليمان نبياً/ تأتي في طرفة عين بلقيس / تملأ كل مساحات الذكرى في صحرائي»، أفضل. هناك ضرورة شعرية ظننتها غير مقبولة، لكن وجدت أنها مقبولة، الجمع بين حرف النداء وال وياء المرسومة وياء المسكونة، أن لا تجتمع مع حرف النداء إلا مع لفظ الجلالة یا الله، فوجدت مثلا لها في الضروريات الشعرية مثل قول الشاعر : فيا الغلامان اللذان فرا إياكما أن تعقبانا شرا ووجدت أن الكوفيين قد أجازوا الجمع هذا حتى فى غير الضرورة فلا بأس عليك. أربع قصائد غزلية رقيقة فيها عذوب الحب وجمال الكلمات لكنها لا تتوافق أبدا مع العنوان الرئيس للديوان . وقع قصيدة دموع عنترة جميل وقد تأثرت منها حتى في القافية: «كفكف دموعك وانسحب يا عنترة/ فعيون عبلة أصبحت مستعمرة»، وهذا التناص مقبول جدا ولا بأس فيه، فالتناص العلاقة التي تربط نصاً أدبياً بنص اخر او استحضار نص أدبى داخل نص أدبي آخر وهو مرتبط بوجود علاقات بين النصوص المختلفة -

ويقوم على فكرة عدم وجود نص بدأ من العدم - فکرة نص موجود معتمد فی وجوده على نص آخر اما في الفكرة واما في استخدام التراكيب والالفاظ، وقد كان تناصلك مع القصيدة في الفكرة وفي بعض الألفاظ والتراكيب حتى في العنوان وهذا لا بأس به، فالتفاعل النصي دلالة على سعة ثقافة الشاعر ويؤكد على فكرة التأثير والتأثر، وصدق عنترة نفسه: هل غادر الشعراء من متردم/ أم هل عرفت الدار بعد توهم وفي قولك: «سيفك سيفك من كسره»، يشبه قوله: والسيف في وجه البنادق عاجز فقد الهوية والقوى والسيطرة، وأشكرك على استدعاء هذه المعاني في قصيدتك أيضا الرائعة يا أستاذ حسن فبورك قلمك وبورك إبداعك، وحتى خيامك صارت مشاعا، فقولك: وشيخ القبيلة ما أسكره؟!، جميل جدا وكل القصيدة جميلة، وأنا أعد قصيدة (دموع عنترة) من أفضل قصائد ديوانك إن لم تكن هي أفضلها حقا التجربة رائع ، الصور جميلة والمعاني صادقة - أحسنت حقا، وختامها في هذا السؤال الماكر: عبيل/ تبدى بوار الوطن/ ولم أدر يا عبلُ من بوّره! ختام مقبول لكن عندي أن فيه نظر، لكن ذكاء الشاعر أنه طرح السؤال لإعمال الذهن والختام المفتوح وهذا يُحمد له، لكن تعليقي أن القصيدة جاءت بين قصائد غزلية مختلفة.. هذه قصيدة لها وقع خاص، أظن لو جاء الديوان باسمها وجمعت قصائد العروبة في ظلال هذا العنوان وأفردت قصائد الغزل فى ديوان آخر لصار لكل ديوان بصمة تميزة ومضمون رئيسي يحمله لا سيما وأن عطاء الشاعر مازال ممدودا، وأحيبك تحية إجلال على هذه القصيدة: يقرأ قبلها أجنحة الوقت وبعدها رمل أحبتي هي هنا فيها نظر الترتيب، وقصيدة في عزاء العروبة في مكان آخر من الإبداع صور مبتكرة أحييك عليها، تجربة ممتزجة بالدمع - تعبر عن الوطن الذي هو في الأصل أمة وبغداد صورة للحاضرة الإسلامية كلها امتزجت فى القصيدة

كل ملامح الأمة العربية وامتزجت كل البلدان في كينونة واحدة تعاني وكأني بحديث: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد.. »، لقد جعلت الأمة العربية كلها جسداً واحداً لا قومية ولا حدود انطلاقا من تسمية القرآن لنا: «إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ»: الأنبياء، و«إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ»: المؤمنون. حيّاك الله على هذه القصيدة أيضًا، وأنا أرى أنها وقصيدة عنترة ترتبطان بالعنوان بید أنني ما زلت مختلفًا مع اختيار العنوان، وتسميته، ليتك تقرأها. جميل قولك: قد كنت حاضرة الزمان / ومجده /وخيوله/وكتابه/ وهواه/ والآن أنت صراخنا في صمتنا والآه.. جميل جدًا هذا الإيقاع وهذا الترصيع وجميل جدا هذه الصورة المبتكرة: «بغدادُ يا ريق العروبة في فمي/ فإذا نزفت فقد أريق له دمي»، وجميل جدا هذا الخيال المبتكر والصورة: «يا حُلمنا المسروق/ من أصلابنا/ الذئب نام/ بربعنا وتمددا». مصداقية التجربة تأتي من انطلاقها من معين واحد، معين الأسى الحزين لجُرح العروبة، ليتك تخصص لهذا الجرح فصلا مستقلا في الديوان، حتى لا تأخذ القارئ من تفاعل نصي جميل إلى تجربة أخرى تفقد المتلقي هذا الشغف السابق، لكن لو فسرنا هذه القصيدة تفسيرا آخر وأنها إسقاط أو معادل موضوعي رمزي للفقد فقد الحب وفقد العروبة فقد التواصل وفقد الذكرى يكون مقبولاً، لا سيما أن التعبير فيها يعيد الماضي: «كنا في قريتنا أطفالا / نحبو في طرقات البهجة»، وهذا المنطق لابأس. قصيدة (حُور) أيضا مكانها فى الديوان عجيب ولا علاقة لها بعنوان الديوان، ولذلك ما زلت أقدم نصحي للشاعر تجارب مختلفة تحتاج ترتيبًا وهي تجارب كلها رائعة اشكرك وأحييك عليها، وأرجو لك مزيداً من العطاء، فأنت صوت مميز وسط أصوات جوفاء، أنت شاعر صاحب كلمة تحترم وسط ضجيج أجوف من أنصاف الموهبين، ليتنا نجد لك مكانا تستحقه على الساحة الأدبية المعاصرة فأنت وبحق تستحق هذه المكانة



إرسال تعليق

أحدث أقدم